وأدركت أني بلا قلم…!

 

كنت أمشي في شوارع الناصرة كعادتي، تلك المدينة التي أحبها كشرياني، أنظر إليها كيف تفتح أبوابها لكل أصناف البشر، للمسافرين والسائحين، الزائرين والقانطين بها، الغرباء والأقرباء وأجهل لما تغلق كل أبوابها بوجهي.

أمشي في شوارعها القديمة وسوقها الأثري الذي أعشق، وأصوات بائعي الخضار من كل صوب، أتساءل في لحظة بعد أن توقفت عيوني عند مشهد عاشقين أعرفهما يجلسان على مقعدي المفضل:  هل البحث عن الحب ومعانيه السامية باب متاح للجميع…!

مع كل الحياة التي عشتها ومع كل محاور الوقوف عند كل محطة من حياتي، أشعاري، كتاباتي، مقالاتي، قصائدي، ومذكراتي، عرفت حقيقة كان علي ان أدركها سابقًا أن الإنسان داخلي أوشك على نسيان معنى الحب الصادق، والمشاعر التي غيبتني عن كل شيء حتى عن نفسي وعن كتابة الشعر لفترة طويلة.

أتابع سيري في شوارع المدينة وأنا لا أدرك مكنوه ذاتي وكل ما يحصل معي هذه الفترة من أحداث بسبب قناعاتي ومبادئي التي باتت عبئًا على كل من أعرفهم، حتى باللحظات التي وددت اسعادهم وجدت نفسي أجرحهم، كل ذلك لأنني كنت أتنفس المشاعر وأكتبها لتصبح في  النهاية رواية سميتا موعد مع الحيتان، هي رواية لم أرد كتابتها إنما هي الأيام من كتبتها لي وجعلتها حبرًا على الورق لخمس سنوات متتالية.

 بلحظة لم أكن بوعيي أشعلت النار في كل أوراقها وأطعمت للهبها الجائع سطوري وأيامي وأحلامي، ولم أترك منها إلا ورقة واحدة  الإهداء… أمشي وأتذكر هذه اللحظة التي لم أكتف بها بل وفتحت على ملف كتاباتي في جهازي الخاص ومحوت كل شيء له صلة بها. هكذا ببساطة محوت مشروع عمري الأدبي الذي كان سينقلني من مكان إلى آخر وأسلمته للرماد.. ببساطة فتلت مولودتي بيدي التي كنت أحلم دومًا بإخراجها للنور والبدء معها حياة أدبية كبيرة…! أفكر كثيرًا بما صنعته يداي، وكيف قتلت ابنتي التي أعشق بهذه السهولة وبهذا الإرهاب الذي لم أعتد عليه، رواية كابدت الكثير من أجل كتابتها وأضع بصماتي الأخيرة عليها إلا أن نهايتها كانت النار.

أظنكم تقرأون ما أكتبه وتحدثون أرواحكم مع هذه السطور، إنها مجنونة، كيف تحطم حلمها بيدها، تقرأون وانتم لا تعون أو ربما تعون ما معنى أن أكتب وأقتل ولأول مرة في حياتي وأسلم حبري بتابوت الرماد…! قبل أيامٍ فقط مارست هذا القتل وأمسكت هذه الأوراق التي تحمل عنوان روايتي موعد مع الحيتان وأسلمتها للنار ولم أترك منها إلا ورقة واحدة، الإهداء الذي له معزة خاصة في قلبي. أجهل بحقٍ كيف فعلت ذلك ولكن ما اعيه عن نفسي وعن هذا الحدث الذي مضيت وراءه أبكي طويلًا لأنني لم أطق لحظة غضب تسببتها لأنسانة أدين لها بكل عمري، بعد أن ظننت أنها ستفرحها. جلست على مقعدي المفضل بعد أن غادره العاشقين، والحمام من حولي يتهدل بصوته الحزين، وكأنه يغني على نوتات قلبي، أنظر إليه وهو يتناثر أمامي بأسراب مجتمعة ومتفرقة بين حين وآخر في ساحة عين المدينة فأراها مكسورة الجناح ككآبة قلبي التي تتكبدني، مثله يطوف بفوهة القدر بين حلم عاثر وغيمة بيضاء. بدوت في هذه اللحظات كتراتيل المطر في سماء موشومة بالرماد…!

 

_MG_9016

 

أنظر مرة أخرى للحمام المتهادل ولا أبالي بكل شيء يدور حولي واقول: - أريد أن أتنفس…! أن أتنفس فقط…! أن أتنفس قليلًا، أن أبكي أكثر، أن أكتب قليلًا، أن أحلم قليلًا، أو أن أعيش الحلم ولو في الخيال، أن أكون ما أريد، شاعرة، كاتبة تنطلق من جرح هذا الوطن إلى وريد كله نبض. أمدُّ يدي نحو حقيبتي الصغيرة، أنبشها، أبحث عن قلم لا يفارق حقيبتي فلا أجده، ولا أجد بها إلا دفتر صغير، أقرأ فيه بعض السطور التي كتبها يومًا، أعود لذكرياتي القاسية، شعور قاتل يحثني على الكتابة ولا أجد قلمي، نظرت نحو اليمين رأيت سلة قمامة  تأملت أصابعي المبتورة وأودعتها دفتري ولا أسمع إلا تراتيل خافتة تدق في قلبي ومن فوقي سماء رمادية… أمشي قليلًا وأبتعد عن المكان، وأعود بعد فترة لنفس المكان أنبش سلة المهملات ذاتها باحثة عن دفتري فلا أجده، تابعت النظر حولي فرأيت عمال النظافة ينظفون المكان ويفرغون السلال لعربة كبيرة. بكيت مرة أخرى وتذكرت أن الرجل الذي اعتقل لأنه صرخ الوطن حذاء كان بلا حذاء، ومثله أنا… اعتقلت أحلامي حين صرخت القلم وطني… وأدركت بعد كل هذا الوقت أنني بلا قلم….!

دارين طاطور

28-08-2015 \ 1:33

 

كنت أمشي في شوارع الناصرة كعادتي، تلك المدينة التي أحبها كشرياني، أنظر إليها كيف تفتح أبوابها لكل أصناف البشر، للمسافرين والسائحين، الزائرين والقانطين بها، الغرباء والأقرباء وأجهل لما تغلق كل أبوابها بوجهي.

أمشي في شوارعها القديمة وسوقها الأثري الذي أعشق، وأصوات بائعي الخضار من كل صوب، أتساءل في لحظة بعد أن توقفت عيوني عند مشهد عاشقين أعرفهما يجلسان على مقعدي المفضل:  هل البحث عن الحب ومعانيه السامية باب متاح للجميع…!

مع كل الحياة التي عشتها ومع كل محاور الوقوف عند كل محطة من حياتي، أشعاري، كتاباتي، مقالاتي، قصائدي، ومذكراتي، عرفت حقيقة كان علي ان أدركها سابقًا أن الإنسان داخلي أوشك على نسيان معنى الحب الصادق، والمشاعر التي غيبتني عن كل شيء حتى عن نفسي وعن كتابة الشعر لفترة طويلة.

أتابع سيري في شوارع المدينة وأنا لا أدرك مكنوه ذاتي وكل ما يحصل معي هذه الفترة من أحداث بسبب قناعاتي ومبادئي التي باتت عبئًا على كل من أعرفهم، حتى باللحظات التي وددت اسعادهم وجدت نفسي أجرحهم، كل ذلك لأنني كنت أتنفس المشاعر وأكتبها لتصبح في  النهاية رواية سميتا موعد مع الحيتان، هي رواية لم أرد كتابتها إنما هي الأيام من كتبتها لي وجعلتها حبرًا على الورق لخمس سنوات متتالية.

 بلحظة لم أكن بوعيي أشعلت النار في كل أوراقها وأطعمت للهبها الجائع سطوري وأيامي وأحلامي، ولم أترك منها إلا ورقة واحدة  الإهداء… أمشي وأتذكر هذه اللحظة التي لم أكتف بها بل وفتحت على ملف كتاباتي في جهازي الخاص ومحوت كل شيء له صلة بها. هكذا ببساطة محوت مشروع عمري الأدبي الذي كان سينقلني من مكان إلى آخر وأسلمته للرماد.. ببساطة فتلت مولودتي بيدي التي كنت أحلم دومًا بإخراجها للنور والبدء معها حياة أدبية كبيرة…! أفكر كثيرًا بما صنعته يداي، وكيف قتلت ابنتي التي أعشق بهذه السهولة وبهذا الإرهاب الذي لم أعتد عليه، رواية كابدت الكثير من أجل كتابتها وأضع بصماتي الأخيرة عليها إلا أن نهايتها كانت النار.

أظنكم تقرأون ما أكتبه وتحدثون أرواحكم مع هذه السطور، إنها مجنونة، كيف تحطم حلمها بيدها، تقرأون وانتم لا تعون أو ربما تعون ما معنى أن أكتب وأقتل ولأول مرة في حياتي وأسلم حبري بتابوت الرماد…! قبل أيامٍ فقط مارست هذا القتل وأمسكت هذه الأوراق التي تحمل عنوان روايتي موعد مع الحيتان وأسلمتها للنار ولم أترك منها إلا ورقة واحدة، الإهداء الذي له معزة خاصة في قلبي. أجهل بحقٍ كيف فعلت ذلك ولكن ما اعيه عن نفسي وعن هذا الحدث الذي مضيت وراءه أبكي طويلًا لأنني لم أطق لحظة غضب تسببتها لأنسانة أدين لها بكل عمري، بعد أن ظننت أنها ستفرحها. جلست على مقعدي المفضل بعد أن غادره العاشقين، والحمام من حولي يتهدل بصوته الحزين، وكأنه يغني على نوتات قلبي، أنظر إليه وهو يتناثر أمامي بأسراب مجتمعة ومتفرقة بين حين وآخر في ساحة عين المدينة فأراها مكسورة الجناح ككآبة قلبي التي تتكبدني، مثله يطوف بفوهة القدر بين حلم عاثر وغيمة بيضاء. بدوت في هذه اللحظات كتراتيل المطر في سماء موشومة بالرماد…!

 

_MG_9016

 

أنظر مرة أخرى للحمام المتهادل ولا أبالي بكل شيء يدور حولي واقول: - أريد أن أتنفس…! أن أتنفس فقط…! أن أتنفس قليلًا، أن أبكي أكثر، أن أكتب قليلًا، أن أحلم قليلًا، أو أن أعيش الحلم ولو في الخيال، أن أكون ما أريد، شاعرة، كاتبة تنطلق من جرح هذا الوطن إلى وريد كله نبض. أمدُّ يدي نحو حقيبتي الصغيرة، أنبشها، أبحث عن قلم لا يفارق حقيبتي فلا أجده، ولا أجد بها إلا دفتر صغير، أقرأ فيه بعض السطور التي كتبها يومًا، أعود لذكرياتي القاسية، شعور قاتل يحثني على الكتابة ولا أجد قلمي، نظرت نحو اليمين رأيت سلة قمامة  تأملت أصابعي المبتورة وأودعتها دفتري ولا أسمع إلا تراتيل خافتة تدق في قلبي ومن فوقي سماء رمادية… أمشي قليلًا وأبتعد عن المكان، وأعود بعد فترة لنفس المكان أنبش سلة المهملات ذاتها باحثة عن دفتري فلا أجده، تابعت النظر حولي فرأيت عمال النظافة ينظفون المكان ويفرغون السلال لعربة كبيرة. بكيت مرة أخرى وتذكرت أن الرجل الذي اعتقل لأنه صرخ الوطن حذاء كان بلا حذاء، ومثله أنا… اعتقلت أحلامي حين صرخت القلم وطني… وأدركت بعد كل هذا الوقت أنني بلا قلم….!

دارين طاطور

28-08-2015 \ 1:33

تدوينات متعلقة