ظاهرة التصنيم ما بين السياسة والدين..؟

imagesCA97MQDA

“وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ”(البقرة 11 ¯ 12). القرآن الكريم

 أتأمل الشارع فأجده ثابتًا غير متحركٍ وبالمقابل تكون السيارات والمركبات هي العامل المتحرك عليه فتعطي له ذاك المشهد الحيوي المثير للمراقبة، فتتغير نظرتي المتجمدة نحوه، ولا أعلم لما كلما نظرت لهذا المشهد وتأملت الوضع العربي أجد مشكلة اجتماعية، سياسية ودينية سواء على المستوى الجماعي أو على المستوى الفردي، وخصوصًا عندما نرى العالم يتحرك، والعرب ثابتون مكانهم بلا حراك كصنمٍ، والكلام هنا ليس فقط بالجمود الذي نشهده من حيث الإنتاج والتطور بل أخص بالذكر وأركز على التصنيم الفكري الذي يعاني منه الشعب العربي سواء على الصعيد الديني أو السياسي أو الثقافي وبكل مجالاته.

وأجد أن هذه الإشكالية (التصنيم الفكري) ذات جذور ثقافية يحكمها الصراع الأبدي بين الثوابت والعادات والتقاليد من جهة والمتغيرات التي تحيطنا من جهة أخرى، حيث يبدأ الصراع هذا مع محاولة الفرد وبقدر استطاعته الحفاظ على هذه المعتقدات أو الثوابت وعدم المس بها فقط لمجرد أنها كانت على زمن الأجداد واستمرت حتى اليوم، فيتصور أن لها علاقة بجوهر وجوده فيجعل منها صنمًا يعبده متناسيًا أن هناك ظروفًا تحتم عليه أن يغير هذه الثوابت ويستبدلها بالأفضل مع تجدد الأفكار والأشخاص والبيئة.

فحالة التصنيم الفكري للثوابت ظاهرة عربية وقد بدَّت مستمرة بل ومتزايدة مع الوقت وفي كل الأيديولوجيات والسياقات بلا استثناء، ولا مجال لتجميلها لأنها باتت تشكل الخطر على وجود الفرد العربي، وحفاظه عليها بهذا الشكل لا بدَّ وأن توصله إلى الجمود والتحجر ورؤية الأمور بعين واحدة فقط، والمصيبة الأكبر حين يتحول هذا التصنيم إلى مرحلة التضخيم للأشخاص ووضعهم في مكانة القداسة التي لا نقاش فيها من حيث أقوالهم وأفعالهم وكتاباتهم..

نجد من يقول مثلًا من العار على الفرد أن يسرق أو يزني أو يقتل أو يكذب أو يخون وطنه…… والعار هنا وكما يبدو إحساسًا فرديًا، ويعرَّف العار بأنه شيئًا أو سلوكًا يختلف أو لا يتناسب أو يخرج عن نطاق المعايير والثوابت التي رضيها المجتمع أن تكون لتحديد سلوك الفرد سواء كانت هذه الثوابت دينية أو اجتماعية أو سياسية..

تبدأ مشكلة العار هنا حين يضع الفرد هذا العار في زوايا الأمور الشخصية، فلا يعتبر العار إلا عارًا شخصيًا، أما العار العام فليس عارًا بالنسبة له، كالعار الديني أو القومي أو الوجودي ما دام لم يمس مصلحته الشخصية كفرد، وقد تعمقت ظاهرة العار الفردي وتفاقم معها ظاهرة التصنيم لدرجة أننا بتنا نرى تسامح الفرد مع العار الجماعي وبالمقابل يظهر قوة حزمه مع العار الشخصي أو الفردي، ودون شعور منه يتحول هذا التسامح إلى قبول عبادة الأصنام بأشكالٍ وألوانٍ وأفكارٍ مختلفة.

إن غياب الحرام والعيب العام خلق ثقافة التصنيم في هذا العصر، بعد أن خرج الفرد من منع هذا الحرام الجماعي ومحاولة محاربته وقتله كما يقوم بقتل الفتاة حين يشك بأنها أخلت بشرفه.

ومن هنا استمرت ظاهرة الأصنام التي تتحكم بمصير المسلمين والعرب بشكل خاص عن دون كل البشر، بسبب طريقة تصنيم الأفكار والشخصيات سواء عن طريق أخذ الكثير من الروايات القديمة والتي دخلت ديننا كدخيلة واستقرت به وباتت عند الأغلبية كصنم يتم تقديسه دون التدبر بالكلام المكتوب بالرواية أو القصة والبحث عن أصولها في القرآن الكريم وصولًا لتصنيم كتَّاب الحديث وتقديسهم رغم كونهم أشخاصًا مثلنا.. وكذا هو الحال في السياسة بتقديس وتصنيم الرموز دون الإلتفات إلى عار الأشخاص ومحاسبتهم بل يتم التمتع بالنظر إلى عارهم والتصفيق له.

إن أسوأ الديكتاتوريات التي عرفها التاريخ البشري هي دكتاتورية المثقف وخاصة إن كان مسؤولًا، ذلك المثقف الذي يتكلم بلونين ويناقض نفسه حسب المناسبات والمواسم، فلكل مناسبة يوجد لها لسان وموقف وبالمقابل تصفيق عربي.

والأغرب أن الصنم العربي وعلى مسمع آذاننا يقول الشيء ونقيضه ومع هذا نجد من يصفق للشيء بنفس الحماس الذي يصفق فيه للنقيض الذي يقال منه.

حتى حين يفعل هذا الصنم عملًا مشينًا يضر بالعامة سواء كان أخلاقيًا أو سياسيًا أو اجتماعيًا نبدي كأفراد مظاهر التعجب من أفعاله ولكننا لا نفكر أن نوقف عاره لأنه ليس عارنا كأفراد بل هو عاره الشخصي.

كموظف حكومة والذي أعلم أنه يتلاعب بمصالح كل الناس ولكن ولأنه لم يقترب صوب مصلحتي الخاصة فلا أهتم لما يقوم به وأهمل عاره وأتركه كذئب جائع يتغذى على النعاج.

وهو الحال ذاته عندما حدثت الحروب والمجازر والمذابح الجماعية الأخيرة في فلسطين ولبنان والتي لم تثير الشارع العربي، ووضع الفرد العربي الجريمة وكأنها عار على الحكومة فقط وليست عارًا فرديًا أو عائليًا أو إنسانيًا، وبالمقابل نجد أن أي جريمة قتل أخرى فردية قد تصدرت الأخبار والأفواه، كفلان قتل أخاه بسبب قطعة أرض، وآخر طعن شابًا بسبب نظراته إلى زوجته أو أخته، وآخر قتل جاره بسبب إغلاق مدخل البيت بسيارته….. ونلاحظ من خلال الجرائم الجنائية اليومية كم هو العار الفردي قاتل ورهيب مع كثرة وجودها والتي نسمع بها مع مرور الأيام ولأسباب تكاد أن تكون تافهة، أما العار الجماعي فنخشى مواجهته ونسلم له القول أنه من مسئولية الأصنام السياسية.

والشيء الأغرب أن يتخلى الفرد العربي عن حريته وتفكيره ويصبح وكأنه غير قادرٍ على العيش بلا وجود هذا الصنم بحياته، فتتنقل الأصنام بين تصفيق الجماهير وهتافاتها من مكان إلى آخر وتعقد المؤتمرات والصفقات، والإنسان العربي لا يشعر بالعار الذي يلم به من كل الجهات وفقط لأن العار لم يمس شخصيته وحياته الشخصية في شيء.

فظاهرة التصنيم التي نشهدها تزداد بصورة رهيبة ومخيفة وتشكل تهديدًا على سقوطنا كعرب من الوجود الفكري للأبد، وتجعل منا أضحوكة لكل الشعوب الأخرى، والسؤال الأكبر كيف يتحول عار فقدان الأرض والوطن كعار بعيد عن الفكر القومي العربي وبالمقابل تبقى الجرائم اليومية الأخرى وتأخذ محل اهتمام الأفراد..؟! وكيف نسمح لهذا الصنم أن يترعرع ويرتفع على أصوات أوجاع البسطاء منا..؟!

لم يتوقف الأمر هنا وعند التصنيم السياسي فقط بل أخذ يتفاقم أكثر فأكثر حتى بات يظهر بأكثر حدية في حياتنا الدينية من السياسية وخصوصًا حين يدخل الموضوع نقاش الأحاديث المجموعة والمروية عن الرسول عليه الصلاة والسلام فنرى الهجوم وسياسة تكتيم الأفواه التي تحاول فتح هذا المجال.

والأكثر مثيرًا في الأمر هو أنه لا يتم نقاش فكرة الآخر بل يتم ضحدها لمجرد أنها خرجت عن إطار تقديس وتصنيم جامعي الحديث وهم أشخاصًا مثلنا..!

وأصبح أكثر ما يثيرني عند قراءة أي حديثٍ نسب للرسول والتفسيرات المعروضة من قبل العلماء القدامى عليه من جهة، وتفكير العلماء الجدد من الجهة المقابلة هو كيفية الرد على هؤلاء الأشخاص أو المفكرين الجدد أنفسهم والتجريح بهم كبشر، لا على الفكرة والحجة التي جاءوا بها إلينا حتى دون الدخول لتفاصيلها أو قراءتها، ومن ثم ينتقلون لسياسة تكميم الأفواه وذلك لسبب واحد أنهم يناقشون تلك الرواية ويشككون بحقيقتها كونها تعارض النص القرآني ولا تتوافق مع تعاليمه.

فكم نحن بحاجة إلى عصر تدوين جديد ينقح التدوين الأول والقديم ويقوم على تصحيح أخطائه وتعديل أسسه، بشكل يتوافق مع الحقائق لا مع الروايات التراثية حتى لا نتعرض لسخرية الآخرين، وحتى نتفادى مشكلة عزلنا عن النهضة العلمية المعاصرة، وحتى لا تستمر حياتنا بهذا التصدع والتأخر العلمي، وكي لا نبقى نأرخ الأساطير ونقدس الرواية أو التراث كثوابت لا يمكن تغييرها أو النقاش بها أو حتى التفكير بها..

ومن يتجرأ على التفكير في هذا العصر يصبح بنظر الآخرين كافرًا أو ملحدًا أو زنديقًا لا يجب تصديقه ويجب قتله لأنه تعدى على قول شخص كان في القدم.

ومن جهة أخرى وبلا شعور منا نوافق سياسة تكتيم الأفواه وننشغل نحن كأفرادٍ إلى كيفية تحويل هذا العار إلى خوف أو احترام أو تقدير لذاك الصنم الذي تم تقديسه على مدار السنين، إلى أن يتحول وجودنا لمجرد مسخ ومخلوق فارغ لا يسمح له التفكير حتى بتلك الأمور.

فإن كان الإيمان مبني على التصديق للظاهرة أو الحدث بإثباتات حكاها لنا القرآن فلما يمنع المفكر الجديد وضع أفكارٍ جديدة وأبحاثٍ جديدة تدور في رأسه..! ولما يتم تصنيم أفكار السلف منا ووضعها على الرفوف العالية حتى لا تكون في متناول أفكارنا..! ولما تعتبر كل محاولة لتشغيل العقل والمنطق العقلاني لتلك القضايا ولتلك الموروثات الإجتماعية والقبلية المروية عن طريق منهج تفكيري مختلف بتوافق الحجج المناسبة الضاحدة للسابقة مجرد زندقة وكفر وإلحاد تضمن لصاحبها دخول النار.. أو اغتيال دموي بتحريض الشيوخ وإخراج الفتاوى بقتل هؤلاء العلماء والمفكرين الجدد..؟؟؟؟

وهكذا نسلم بالقول.. لا بأس أن يضيع العباد وأن تضيع البلاد ما دام الصنم واقفًا على قاعدة الجماهير المفرغة من كل أفكارها وإنسانيتها وثقافتها والتي لم يتبقَ منها سوى الإسمنت المتصلب.

وأخيرًا أرى أن ظاهرة التصنيم هذه والتي يمارسها كل من العربي من الجهة السياسية تجاه السياسيين والمسؤولين في الحكومة الحاكمة، والمسلم في طريقة تعامله مع قراءة الدين والتعامل مع الأفكار الجديدة من الجهة الدينية والتي تقوم فقط على ردع العار الشخصي وتنسى العار العام ستوصل الإثنين دومًا للسقوط والبقاء في الحضيض والتطرف، لذا فعلى كل منهما أن يستعيد إنسانيته وأفكاره وثقافته التي سلمها لهذا الصنم..

فالتطرف يزور للإنسان نتيجة الجهل، وما أسهل التطرف كونه لا يحتاج إلى عقل أو منطق أو تفكير .

ولنحاول أن نجيب لماذا نبني حياتنا بناءًا على مبدأ تصنيم أفكار الآخرين.. وتصنيم القبيلة.. وتصنيم المجتمع.. وتصنيم الرئيس.. وتصنيم الرموز.. وتصنيم المرجع….؟؟؟؟

“وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ”(البقرة 11 ¯ 12). القرآن الكريم

 أتأمل الشارع فأجده ثابتًا غير متحركٍ وبالمقابل تكون السيارات والمركبات هي العامل المتحرك عليه فتعطي له ذاك المشهد الحيوي المثير للمراقبة، فتتغير نظرتي المتجمدة نحوه، ولا أعلم لما كلما نظرت لهذا المشهد وتأملت الوضع العربي أجد مشكلة اجتماعية، سياسية ودينية سواء على المستوى الجماعي أو على المستوى الفردي، وخصوصًا عندما نرى العالم يتحرك، والعرب ثابتون مكانهم بلا حراك كصنمٍ، والكلام هنا ليس فقط بالجمود الذي نشهده من حيث الإنتاج والتطور بل أخص بالذكر وأركز على التصنيم الفكري الذي يعاني منه الشعب العربي سواء على الصعيد الديني أو السياسي أو الثقافي وبكل مجالاته.

وأجد أن هذه الإشكالية (التصنيم الفكري) ذات جذور ثقافية يحكمها الصراع الأبدي بين الثوابت والعادات والتقاليد من جهة والمتغيرات التي تحيطنا من جهة أخرى، حيث يبدأ الصراع هذا مع محاولة الفرد وبقدر استطاعته الحفاظ على هذه المعتقدات أو الثوابت وعدم المس بها فقط لمجرد أنها كانت على زمن الأجداد واستمرت حتى اليوم، فيتصور أن لها علاقة بجوهر وجوده فيجعل منها صنمًا يعبده متناسيًا أن هناك ظروفًا تحتم عليه أن يغير هذه الثوابت ويستبدلها بالأفضل مع تجدد الأفكار والأشخاص والبيئة.

فحالة التصنيم الفكري للثوابت ظاهرة عربية وقد بدَّت مستمرة بل ومتزايدة مع الوقت وفي كل الأيديولوجيات والسياقات بلا استثناء، ولا مجال لتجميلها لأنها باتت تشكل الخطر على وجود الفرد العربي، وحفاظه عليها بهذا الشكل لا بدَّ وأن توصله إلى الجمود والتحجر ورؤية الأمور بعين واحدة فقط، والمصيبة الأكبر حين يتحول هذا التصنيم إلى مرحلة التضخيم للأشخاص ووضعهم في مكانة القداسة التي لا نقاش فيها من حيث أقوالهم وأفعالهم وكتاباتهم..

نجد من يقول مثلًا من العار على الفرد أن يسرق أو يزني أو يقتل أو يكذب أو يخون وطنه…… والعار هنا وكما يبدو إحساسًا فرديًا، ويعرَّف العار بأنه شيئًا أو سلوكًا يختلف أو لا يتناسب أو يخرج عن نطاق المعايير والثوابت التي رضيها المجتمع أن تكون لتحديد سلوك الفرد سواء كانت هذه الثوابت دينية أو اجتماعية أو سياسية..

تبدأ مشكلة العار هنا حين يضع الفرد هذا العار في زوايا الأمور الشخصية، فلا يعتبر العار إلا عارًا شخصيًا، أما العار العام فليس عارًا بالنسبة له، كالعار الديني أو القومي أو الوجودي ما دام لم يمس مصلحته الشخصية كفرد، وقد تعمقت ظاهرة العار الفردي وتفاقم معها ظاهرة التصنيم لدرجة أننا بتنا نرى تسامح الفرد مع العار الجماعي وبالمقابل يظهر قوة حزمه مع العار الشخصي أو الفردي، ودون شعور منه يتحول هذا التسامح إلى قبول عبادة الأصنام بأشكالٍ وألوانٍ وأفكارٍ مختلفة.

إن غياب الحرام والعيب العام خلق ثقافة التصنيم في هذا العصر، بعد أن خرج الفرد من منع هذا الحرام الجماعي ومحاولة محاربته وقتله كما يقوم بقتل الفتاة حين يشك بأنها أخلت بشرفه.

ومن هنا استمرت ظاهرة الأصنام التي تتحكم بمصير المسلمين والعرب بشكل خاص عن دون كل البشر، بسبب طريقة تصنيم الأفكار والشخصيات سواء عن طريق أخذ الكثير من الروايات القديمة والتي دخلت ديننا كدخيلة واستقرت به وباتت عند الأغلبية كصنم يتم تقديسه دون التدبر بالكلام المكتوب بالرواية أو القصة والبحث عن أصولها في القرآن الكريم وصولًا لتصنيم كتَّاب الحديث وتقديسهم رغم كونهم أشخاصًا مثلنا.. وكذا هو الحال في السياسة بتقديس وتصنيم الرموز دون الإلتفات إلى عار الأشخاص ومحاسبتهم بل يتم التمتع بالنظر إلى عارهم والتصفيق له.

إن أسوأ الديكتاتوريات التي عرفها التاريخ البشري هي دكتاتورية المثقف وخاصة إن كان مسؤولًا، ذلك المثقف الذي يتكلم بلونين ويناقض نفسه حسب المناسبات والمواسم، فلكل مناسبة يوجد لها لسان وموقف وبالمقابل تصفيق عربي.

والأغرب أن الصنم العربي وعلى مسمع آذاننا يقول الشيء ونقيضه ومع هذا نجد من يصفق للشيء بنفس الحماس الذي يصفق فيه للنقيض الذي يقال منه.

حتى حين يفعل هذا الصنم عملًا مشينًا يضر بالعامة سواء كان أخلاقيًا أو سياسيًا أو اجتماعيًا نبدي كأفراد مظاهر التعجب من أفعاله ولكننا لا نفكر أن نوقف عاره لأنه ليس عارنا كأفراد بل هو عاره الشخصي.

كموظف حكومة والذي أعلم أنه يتلاعب بمصالح كل الناس ولكن ولأنه لم يقترب صوب مصلحتي الخاصة فلا أهتم لما يقوم به وأهمل عاره وأتركه كذئب جائع يتغذى على النعاج.

وهو الحال ذاته عندما حدثت الحروب والمجازر والمذابح الجماعية الأخيرة في فلسطين ولبنان والتي لم تثير الشارع العربي، ووضع الفرد العربي الجريمة وكأنها عار على الحكومة فقط وليست عارًا فرديًا أو عائليًا أو إنسانيًا، وبالمقابل نجد أن أي جريمة قتل أخرى فردية قد تصدرت الأخبار والأفواه، كفلان قتل أخاه بسبب قطعة أرض، وآخر طعن شابًا بسبب نظراته إلى زوجته أو أخته، وآخر قتل جاره بسبب إغلاق مدخل البيت بسيارته….. ونلاحظ من خلال الجرائم الجنائية اليومية كم هو العار الفردي قاتل ورهيب مع كثرة وجودها والتي نسمع بها مع مرور الأيام ولأسباب تكاد أن تكون تافهة، أما العار الجماعي فنخشى مواجهته ونسلم له القول أنه من مسئولية الأصنام السياسية.

والشيء الأغرب أن يتخلى الفرد العربي عن حريته وتفكيره ويصبح وكأنه غير قادرٍ على العيش بلا وجود هذا الصنم بحياته، فتتنقل الأصنام بين تصفيق الجماهير وهتافاتها من مكان إلى آخر وتعقد المؤتمرات والصفقات، والإنسان العربي لا يشعر بالعار الذي يلم به من كل الجهات وفقط لأن العار لم يمس شخصيته وحياته الشخصية في شيء.

فظاهرة التصنيم التي نشهدها تزداد بصورة رهيبة ومخيفة وتشكل تهديدًا على سقوطنا كعرب من الوجود الفكري للأبد، وتجعل منا أضحوكة لكل الشعوب الأخرى، والسؤال الأكبر كيف يتحول عار فقدان الأرض والوطن كعار بعيد عن الفكر القومي العربي وبالمقابل تبقى الجرائم اليومية الأخرى وتأخذ محل اهتمام الأفراد..؟! وكيف نسمح لهذا الصنم أن يترعرع ويرتفع على أصوات أوجاع البسطاء منا..؟!

لم يتوقف الأمر هنا وعند التصنيم السياسي فقط بل أخذ يتفاقم أكثر فأكثر حتى بات يظهر بأكثر حدية في حياتنا الدينية من السياسية وخصوصًا حين يدخل الموضوع نقاش الأحاديث المجموعة والمروية عن الرسول عليه الصلاة والسلام فنرى الهجوم وسياسة تكتيم الأفواه التي تحاول فتح هذا المجال.

والأكثر مثيرًا في الأمر هو أنه لا يتم نقاش فكرة الآخر بل يتم ضحدها لمجرد أنها خرجت عن إطار تقديس وتصنيم جامعي الحديث وهم أشخاصًا مثلنا..!

وأصبح أكثر ما يثيرني عند قراءة أي حديثٍ نسب للرسول والتفسيرات المعروضة من قبل العلماء القدامى عليه من جهة، وتفكير العلماء الجدد من الجهة المقابلة هو كيفية الرد على هؤلاء الأشخاص أو المفكرين الجدد أنفسهم والتجريح بهم كبشر، لا على الفكرة والحجة التي جاءوا بها إلينا حتى دون الدخول لتفاصيلها أو قراءتها، ومن ثم ينتقلون لسياسة تكميم الأفواه وذلك لسبب واحد أنهم يناقشون تلك الرواية ويشككون بحقيقتها كونها تعارض النص القرآني ولا تتوافق مع تعاليمه.

فكم نحن بحاجة إلى عصر تدوين جديد ينقح التدوين الأول والقديم ويقوم على تصحيح أخطائه وتعديل أسسه، بشكل يتوافق مع الحقائق لا مع الروايات التراثية حتى لا نتعرض لسخرية الآخرين، وحتى نتفادى مشكلة عزلنا عن النهضة العلمية المعاصرة، وحتى لا تستمر حياتنا بهذا التصدع والتأخر العلمي، وكي لا نبقى نأرخ الأساطير ونقدس الرواية أو التراث كثوابت لا يمكن تغييرها أو النقاش بها أو حتى التفكير بها..

ومن يتجرأ على التفكير في هذا العصر يصبح بنظر الآخرين كافرًا أو ملحدًا أو زنديقًا لا يجب تصديقه ويجب قتله لأنه تعدى على قول شخص كان في القدم.

ومن جهة أخرى وبلا شعور منا نوافق سياسة تكتيم الأفواه وننشغل نحن كأفرادٍ إلى كيفية تحويل هذا العار إلى خوف أو احترام أو تقدير لذاك الصنم الذي تم تقديسه على مدار السنين، إلى أن يتحول وجودنا لمجرد مسخ ومخلوق فارغ لا يسمح له التفكير حتى بتلك الأمور.

فإن كان الإيمان مبني على التصديق للظاهرة أو الحدث بإثباتات حكاها لنا القرآن فلما يمنع المفكر الجديد وضع أفكارٍ جديدة وأبحاثٍ جديدة تدور في رأسه..! ولما يتم تصنيم أفكار السلف منا ووضعها على الرفوف العالية حتى لا تكون في متناول أفكارنا..! ولما تعتبر كل محاولة لتشغيل العقل والمنطق العقلاني لتلك القضايا ولتلك الموروثات الإجتماعية والقبلية المروية عن طريق منهج تفكيري مختلف بتوافق الحجج المناسبة الضاحدة للسابقة مجرد زندقة وكفر وإلحاد تضمن لصاحبها دخول النار.. أو اغتيال دموي بتحريض الشيوخ وإخراج الفتاوى بقتل هؤلاء العلماء والمفكرين الجدد..؟؟؟؟

وهكذا نسلم بالقول.. لا بأس أن يضيع العباد وأن تضيع البلاد ما دام الصنم واقفًا على قاعدة الجماهير المفرغة من كل أفكارها وإنسانيتها وثقافتها والتي لم يتبقَ منها سوى الإسمنت المتصلب.

وأخيرًا أرى أن ظاهرة التصنيم هذه والتي يمارسها كل من العربي من الجهة السياسية تجاه السياسيين والمسؤولين في الحكومة الحاكمة، والمسلم في طريقة تعامله مع قراءة الدين والتعامل مع الأفكار الجديدة من الجهة الدينية والتي تقوم فقط على ردع العار الشخصي وتنسى العار العام ستوصل الإثنين دومًا للسقوط والبقاء في الحضيض والتطرف، لذا فعلى كل منهما أن يستعيد إنسانيته وأفكاره وثقافته التي سلمها لهذا الصنم..

فالتطرف يزور للإنسان نتيجة الجهل، وما أسهل التطرف كونه لا يحتاج إلى عقل أو منطق أو تفكير .

ولنحاول أن نجيب لماذا نبني حياتنا بناءًا على مبدأ تصنيم أفكار الآخرين.. وتصنيم القبيلة.. وتصنيم المجتمع.. وتصنيم الرئيس.. وتصنيم الرموز.. وتصنيم المرجع….؟؟؟؟

تدوينات متعلقة