ثلاث سنوات في السجن، الجسد مرهون والأفكار حرة

دارين طاطور - يوم التحرير من السجن

بعد ثلاث سنوات من السجن والاعتقال والملاحقات السياسية التي تعرضت عليها ها أنا أجلس في غرفتي وأداعب قططي بحرية وألامس الحياة مجددًا وأكتشف كل ما فيها من جديد وكأني أعيش في حلم جميل بعد كابوس رافقني طويلًا.

الـ 11 من أوكتوبر لم يعد مجرد تاريخًا عاديًا بالنسبة لي وعابرًا كأي تاريخ في السنة، إنما هو الذكرى لبداية حكاية الشعر الخطير والشاعرة المعتقلة في إسرائيل والتي بدأت عام 2015 واستمرت لما يقارب الثلاث سنوات متتالية عانيت بها كل أساليب الاعتقال، كالتحقيق والسجن والحبس المنزلي والمنفى وبظروف مقيدة جدًا. كل فترة مررت بها كان يتخللها معاناة معينة ومختلفة عن الأخرى، في كل مرحلة عشت وعايشت قصصًا مختلفة وكثيرة حدثت معي سواء على صعيد السياسة الإسرائيلية أو المجتمع الذي أنتمي له أو على الصعيد الشخصي، وكلها تركت في داخلي أثرًا سيبقى للأبد. ولكن فترة السجن الأخيرة التي قضيتها في السجن تركت في قلبي الكثير من المشاعر المتناقضة والصعبة خصوصًا أنني سلمتُ نفسي لرهن الاعتقال بنفسي وتوجهت إلى بوابة السجن بصحبة أصدقائي وعائلتي وكم هو صعب هذا الشعور على إنسانة لم تكن جنايتها سوى أنها كتبت قصيدة فقط تحكي فيها عن مشاعرها وأحاسيسها تجاه واقع يعيشه أبناء شعبها. لن أتحدث هنا عن ظروف الاعتقال الذي عشته طوال هذه الفترة ولا عن القيود ولا عن المراحل، إنما سأتحدث عن أبرز المحطات التي أثرت بي في اعتقالي وكانت لي بمثابة الحافز  لاستمرار النضال حتى لحظة تحرري من السجن يوم 20-09-2018 وعن فترة السجن الأخيرة التي قضيتها في سجن الدامون.

بملابس بيضاء نقية كنقاء حروف الشعر وفي 8-8-2018  عند الساعة العاشرة صباحًا دخلت السجن مرة أخرى بعد أن أدانتني المحكمة الإسرائيلية بالتهم الموجهة ضدي وهي التحريض على العنف والإرهاب وتأييد تنظيم إرهابي، حكمت علي بالسجن الفعلي لخمس شهور أخرى. ودَّعْتُ رفاقي وأهلي ولوَّحت لهم بيدي ونظرت نظرة أخيرة إلى السماء الزرقاء الواسعة إلى أن  جاء الضابط ومعه سجانة فتحا الباب الأزرق الحديدي الكبير، دخلت مبنى السجن وأغلق الباب لأبدأ بقضاء فترة الحكم المفروضة علي.

أخذتني السجانة معها نحو غرفة صغيرة جدًا بلا نافذة وبلا منفس هواء وبلا ضوء وأغلقت علي الباب الحديدي، انتظرت بها قرابة الساعة إلى أن عادت السجانة مرة أخرى إلي وبدأت تقوم بالإجراءات الرسمية لاستقبال شاعرة أسيرة كل تهمتها الكلمات. طلبت مني خلع ملابسي كلها للبدئ في ما تسميه إدارة السجون الإسرائيلية بالتفتيش العاري، كان هذا التفتيش أصعب ما مررت به وجعلني أتألم أكثر من أي لحظة عشتها في حياتي كوني أتعرض للأذية من قبل امرأة مثلي ودون مراعاة منها للمشاعر والخصوصية وبعد الانتهاء من هذه المهمة أخذتني معها إلى مكتب التسجيل وأعطوني رقم أسيرة ثم قامت بوضع قيدين في رجلي وقيدين في يدي! تعجبت من هذه الخطوة فسألتها ما السبب الذي يجعلك تضعين لي قيدين، فقالت: أنت أسيرة أمنية وتهددين أمن الدولة، خطر على الدولة وخطر علينا، وهذه هي الأوامر أن نقيدك بقيدين. ابتسمت في وجهها وضحكت ضحكة طويلة، وشعرت بلحظات انتصار وشموخ، أنا ابتسمت في وجهها ومع ابتسامتي بدلت السجانة ملامحها وامتقع وجهها، عرفت أن ابتسامتي أتلفت فرحتها بنشوة اذلالي، انهم يرتعبون من الكلمات! انتقلت للمرحلة التالية، بدأت بفحص حقيبتي التي وضعت بها الأغراض التي سمح لي بادخالها وتلقيت قائمة من إدارة السجن بإمكانية إدخالها إلا أنهم قاموا بإرجاع كل ما فيها للأهل ومنعت من إدخال ملابسي بحجة أن قوانين المعتقل لا يسمح بإدخال هذه الأغراض! حتى الساعة ذاتها التي سمحوا لي الإبقاء عليها في سجنتي الأولى أصبحت اليوم من الممنوعات ومن قائمة الخطر ربما!

وأنا مكبلة اليدين والرجلين بقيدين أنهيت مع السجانة كل الاجراءات الرسمية لتسجيلي كأسيرة عائدة، ومنحوني رقمًا جديدًا في ملفي الشخصي يرافقني للأبد. بعد ساعتين من الذهاب والإياب بين مكتب وآخر أدخلتني السجانة إلى الزنزانة. نفس الزنزانة التي قضيت بها عدة أيام في سجنتي الأولى ولي بها الكثير من الذكريات اقتربت من الجدار ورأيت أن كتاباتي وخرببشاتي المنحوتة عليه لا تزال موجودة بعد ثلاث سنوات، ومنها خواطر نقوش مؤنثة على جدران زنزانة والتي حفرتها بسحاب المعطف بعد أن منعت الأقلام والأوراق عني  وقصيدة شاعرة وراء من وراء الجدران التي كتبتها يوم تلقيت لائحة الاتهام، ومقاطع من قصيدة قاوم أيضًا. ابتسمت كون كتاباتي قد بقيت شاهدة على جدار هذا السجن كما هي، صعدت إلى السرير ذاته الذي نمت عليه قبل ثلاث سنوات استلقيت عليه وأنا أعيد ذاكرتي لكل ما حصل وكأنني أعيش فيلمًا طويلًا أظنه قارب على الانتهاء. لم أنم ولم تغفو عيني ولكنني غرقت في كل الأحداث التي عشتها كل هذه الفترة لم أصحو منها إلا على صوت السجانة وهي تصرخ “عدد” عند الساعة الخامسة صباحًا.

بعد قضاء ليلة في معتقل الجلمة (كيشون) تم نقلي إلى سجن الدامون في دالية الكرمل قضاء حيفا هذا المكان الذي كان يستعمل وقت الانتداب البريطاني كمستودع للدخان أصبح في زمن إسرائيل سجنًا يتسع لنحو الـ 500 سجين، وفي عام 2002 أقرت جمعيات حقوق الإنسان وهيئة من المحامين في إسرائيل أنه مكان لا يصلح حتى لإسكان الحيوانات وأنه غير مناسبًا للإنسان إلا أنه ما زال وحتى اليوم يستعمل كسجن للمعتقلين والسجناء الفلسطينيين الذين تم القبض عليهم بسبب عملهم دون تصاريح  في إسرائيل بالإضافة إلى قسم رقم 61 المعد للأسيرات الفلسطينيات السياسيات.

كنت في هذا القسم مع 22 أسيرة وهو يتسع بالمجمل إلى 26 أسيرة في غرفتين فقط، غرفة رقم 7 وتتسع لثماني أسيرات وغرفة رقم 8 وتتسع للبقية، أي أن الغرفة رقم 7 تتسع ل 18 أسيرة.

ما أن وطأت القسم حتى نظرت من الساحة إلى السماء ليتحول شكلها إلى مربع، تظهر لي من فتحة مشبكة صغيرة، ساحة مغلقة من كل الجوانب وغرفتين تضيق من مرآهما النفس والروح ولا حديث عن الاكتظاظ الكبير بعدد الأسيرات بالنسبة لمساحتيهما الصغيرة.

بدأت مع الوقت أتعرف على الأسيرات وأسمع حكاياتهن وقصصهن، ثمة قصص لم ترق لأفكاري ومبدأ حياتي إلا أنني وضمن واقع السجن كان علي التعايش مع كل الفئات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، ففي السجن لا مجال لوجود أدنى حد من الخصوصية وهو الشيء الذي كان يصعب علي التعامل معه أيضًا. كما أنني عايشت الكثير من أوجاع وآلام الأسيرات.

كثيرة هي المشاهد القاسية التي عشتها بالسجن ولكن أقساها كانت حين رأيت ابنة إحدى الأسيرات تطرق زجاج النافذة بيديها وقت الزيارة،  تبكي وتصرخ، تريد فقط أن تلامس وتحضن أمها الأسيرة إلا أن السجانين وإدارة السجن لم يمنحوها فرصة ملامستها ولو لدقيقة واحدة فما كان على الأم إلا أن ترسل قبلاتها لابنتها وتطبعها على الزجاج لتبدأ هي الأخرى بالبكاء على ابنتها. فالزيارات في السجون الإسرائيلية السياسية تجري فقط من وراء الزجاج العازل للصوت واللمس والحديث يتم من خلال هاتف فقط. كما أن هناك الكثير من الأسيرات لا يملكن حق الزيارة أبدًا منذ اعتقالهن وهذا واقع قاس أيضًا. إن هذه القصص التي عشتها في السجن حرَّكت مشاعري وأعطتني إيحاء للكتابة أكثر رغم أن الأمر مؤلم، فأصبحت أكتب كل ما أعيشه وكل ما أراه حتى تحول كل حدث أعيشه لقصيدة.

دخلت للسجن بسبب قصيدة ولكنني تحررت منه ومعي 101 قصيدة بالإضافة إلى رواية كتبتها في السجن بها تفاصيل كل الاعتقال الذي عشته وبكل مراحله. الشيء الذي شكَّل لي حالة تحدي مختلفة مع نفسي أولًا ومع السلطات الإسرائيلية ثانيًا، لم يتوقف الأمر معي بالكتابة فقط بل تعلمت الرسم في المعتقل وبت أعبر عن نفسي عبر الرسم أيضًا، كما وقمت بتحويل غرفتي إلى ورشة تصوير فوتوغرافي إذ صورت مشروعًا عن الإقامة الجبرية والسجن الذي تعرضت له أيضًا عبر التصوير. هكذا تحولت فترة اعتقالي إلى طاقات إبداع إضافية تؤكد أن لا شيء يمكن أن يمنع شاعرة على بث مشاعرها حتى لو كان جسدها مرهونًا للاعتقال فالأفكار تبقى حرة دومًا.

إن أكثر الأمور سخرية من قبل السلطات الإسرائيلية في قضيتي أنها حاكمتني وسجنتني طوال هذه المدة وادعت أن القصيدة التي كتبتها ونشرتها محرضة وخطر على أمن الدولة وأبقتها موجودة طوال الوقت في الفيس البوك واليوتيوب على مرأى ومسمع الجميع، فأي شيء يمكن أن يكون مضحكًا أكثر حين تعتقل الشاعرة وتحاكم وتدخل السجن وتبقى القصيدة حرة ولا يتم حذفها مثلًا، بما أنها تحرض على العنف والإرهاب وتدعمه حسب ادعاءهم في المحاكم!

بقيت القصيدة وبدأت تتخطى كل الحدود، لتتسع دائرة الدعم لي ولقضيتي أكثر فأكثر، مع الوقت ترجمت لعشرات اللغات، وتحولت قضيتي لمصدر الهام للفن والفنانين بمختلف مجالاتهم سواء بالغناء أو المسرح أو الأفلام أو التصوير أو الشعر  أو الرسم أو الموسيقى. وأبرز هذه الأعمال: مشروع ترجمة إحدى قصائدي التي كتبتها في السجن لأكثر من 15 لغة من دعم منظمة pen iternational، مشروع باسم: poem on trial الذي يتبنى تلحين وغناء القصيدة المتهمة بعدة لغات بدعوة من مجموعة من الفنانين والنشطاء في قضيتي مثل meira asher  و dganit elyakim والمسرحية التي تحمل اسم: أنا، دارين طاطور التي أعدتها الصديقة عينات وايتسمان وتعاونَّا معًا على كتابتها ومن إخراج نيتسان كوهن ويتم عرضها على مسرح تموناع في تل أبيب، وهو الشيء الذي جعل ميري ريجيف وزيرة الثقافة والرياضة تهدد المسرح وتتوعده بوقف الدعم المالي له من قبل الوزارة إن تم عرض المسرحية وكما دعت المستشار القضائي باستدعاء من قاموا بتجهيز هذا العمل إلى جلسة تحقيق بدعوى أن العمل هو ضد القانون  ويدعم ويحرض على الإرهاب دون أن ترى ودون أن تعرف ما موضوع المسرحية وما هي الأشياء التي سيتم عرضها، فكان وجود اسمي بالمسرحية سببًا كافيًا للعمل ضده ومحاولة منع عرضه وتهديد كل القائمين عليه.

مع كل ما عانيته خلال الثلاث سنوات من عنصرية السلطات الإسرائيلية من خلال معركتي الطويلة من أجل حرية التعبير إلا أنها ما زالت مستمرة ولم تتوقف رغم تحرري من السجن وذلك بوجودي لفترة ثلاث سنوات إضافية بالسجن مع وقف التنفيذ المشروط بعدم تكرار نفس الجريمة، وما هي جريمتي في هذه المحاكمة غير أنني كتبت قصيدة!  إلا أن حملة التحريض ضدي وضد أي عمل فني يرتبط بالفن الفلسطيني بات مهددًا بالمنع ويتعرض لرقابة السلطات الإسرائيلية وبالأخص من قبل وزيرة الثقافة والرياضة ميري ريجيف التي تشن حملاتها التحريضية المستمرة ضد الأعمال الفنية التي تحمل هوية فلسطينية أو تحكي عن الشعب الفلسطيني ومعاناتهم من الاحتلال الإسرائيلي على مدار 70 عامًا حيث أنني ومع فريق الدفاع عني في مكتب جابي لاسكي وقضية حرية التعبير عن الرأي ومع كل الداعمين لقضيتي قمنا بطلب الاستئناف على كل هذه المحاكمة وقد تم تعيين جلسة لبحث الاسئناف والبث به في تااريخ 29-11-2018. سأبقى أحارب من أجل حقي بالتعبير عن طريق الشعر بحرية لآخر نفس لأن القضية لم تعد قضية دارين طاطور فقط بل قضية كل شاعر وفنان وإنسان قدم لي دعمه ووقف بجانبي بوفاء طوال هذه الفترة الطويلة ولم يتركني وحيدة.

 وفي النهاية ثمة حقيقة يجب أن تقال إن الاعتقال الذي تعرضت له هو دليل قاطع أنني اعتقلت وحوكمت وسجنت فقط لأني فلسطينية ولأني أحمل في هويتي اسم عربي. وأن إسرائيل لا تمت بأي صلة مع الديمقراطية، وأنها تحكم حكمًا عنصريًا وتمنح الديمقراطية فقط لمن يحمل في هويته القومية اليهودية فقط.

لقراءة المقال في اللغة الإنجليزية في mondoweiss 

 

بعد ثلاث سنوات من السجن والاعتقال والملاحقات السياسية التي تعرضت عليها ها أنا أجلس في غرفتي وأداعب قططي بحرية وألامس الحياة مجددًا وأكتشف كل ما فيها من جديد وكأني أعيش في حلم جميل بعد كابوس رافقني طويلًا.

الـ 11 من أوكتوبر لم يعد مجرد تاريخًا عاديًا بالنسبة لي وعابرًا كأي تاريخ في السنة، إنما هو الذكرى لبداية حكاية الشعر الخطير والشاعرة المعتقلة في إسرائيل والتي بدأت عام 2015 واستمرت لما يقارب الثلاث سنوات متتالية عانيت بها كل أساليب الاعتقال، كالتحقيق والسجن والحبس المنزلي والمنفى وبظروف مقيدة جدًا. كل فترة مررت بها كان يتخللها معاناة معينة ومختلفة عن الأخرى، في كل مرحلة عشت وعايشت قصصًا مختلفة وكثيرة حدثت معي سواء على صعيد السياسة الإسرائيلية أو المجتمع الذي أنتمي له أو على الصعيد الشخصي، وكلها تركت في داخلي أثرًا سيبقى للأبد. ولكن فترة السجن الأخيرة التي قضيتها في السجن تركت في قلبي الكثير من المشاعر المتناقضة والصعبة خصوصًا أنني سلمتُ نفسي لرهن الاعتقال بنفسي وتوجهت إلى بوابة السجن بصحبة أصدقائي وعائلتي وكم هو صعب هذا الشعور على إنسانة لم تكن جنايتها سوى أنها كتبت قصيدة فقط تحكي فيها عن مشاعرها وأحاسيسها تجاه واقع يعيشه أبناء شعبها. لن أتحدث هنا عن ظروف الاعتقال الذي عشته طوال هذه الفترة ولا عن القيود ولا عن المراحل، إنما سأتحدث عن أبرز المحطات التي أثرت بي في اعتقالي وكانت لي بمثابة الحافز  لاستمرار النضال حتى لحظة تحرري من السجن يوم 20-09-2018 وعن فترة السجن الأخيرة التي قضيتها في سجن الدامون.

بملابس بيضاء نقية كنقاء حروف الشعر وفي 8-8-2018  عند الساعة العاشرة صباحًا دخلت السجن مرة أخرى بعد أن أدانتني المحكمة الإسرائيلية بالتهم الموجهة ضدي وهي التحريض على العنف والإرهاب وتأييد تنظيم إرهابي، حكمت علي بالسجن الفعلي لخمس شهور أخرى. ودَّعْتُ رفاقي وأهلي ولوَّحت لهم بيدي ونظرت نظرة أخيرة إلى السماء الزرقاء الواسعة إلى أن  جاء الضابط ومعه سجانة فتحا الباب الأزرق الحديدي الكبير، دخلت مبنى السجن وأغلق الباب لأبدأ بقضاء فترة الحكم المفروضة علي.

أخذتني السجانة معها نحو غرفة صغيرة جدًا بلا نافذة وبلا منفس هواء وبلا ضوء وأغلقت علي الباب الحديدي، انتظرت بها قرابة الساعة إلى أن عادت السجانة مرة أخرى إلي وبدأت تقوم بالإجراءات الرسمية لاستقبال شاعرة أسيرة كل تهمتها الكلمات. طلبت مني خلع ملابسي كلها للبدئ في ما تسميه إدارة السجون الإسرائيلية بالتفتيش العاري، كان هذا التفتيش أصعب ما مررت به وجعلني أتألم أكثر من أي لحظة عشتها في حياتي كوني أتعرض للأذية من قبل امرأة مثلي ودون مراعاة منها للمشاعر والخصوصية وبعد الانتهاء من هذه المهمة أخذتني معها إلى مكتب التسجيل وأعطوني رقم أسيرة ثم قامت بوضع قيدين في رجلي وقيدين في يدي! تعجبت من هذه الخطوة فسألتها ما السبب الذي يجعلك تضعين لي قيدين، فقالت: أنت أسيرة أمنية وتهددين أمن الدولة، خطر على الدولة وخطر علينا، وهذه هي الأوامر أن نقيدك بقيدين. ابتسمت في وجهها وضحكت ضحكة طويلة، وشعرت بلحظات انتصار وشموخ، أنا ابتسمت في وجهها ومع ابتسامتي بدلت السجانة ملامحها وامتقع وجهها، عرفت أن ابتسامتي أتلفت فرحتها بنشوة اذلالي، انهم يرتعبون من الكلمات! انتقلت للمرحلة التالية، بدأت بفحص حقيبتي التي وضعت بها الأغراض التي سمح لي بادخالها وتلقيت قائمة من إدارة السجن بإمكانية إدخالها إلا أنهم قاموا بإرجاع كل ما فيها للأهل ومنعت من إدخال ملابسي بحجة أن قوانين المعتقل لا يسمح بإدخال هذه الأغراض! حتى الساعة ذاتها التي سمحوا لي الإبقاء عليها في سجنتي الأولى أصبحت اليوم من الممنوعات ومن قائمة الخطر ربما!

وأنا مكبلة اليدين والرجلين بقيدين أنهيت مع السجانة كل الاجراءات الرسمية لتسجيلي كأسيرة عائدة، ومنحوني رقمًا جديدًا في ملفي الشخصي يرافقني للأبد. بعد ساعتين من الذهاب والإياب بين مكتب وآخر أدخلتني السجانة إلى الزنزانة. نفس الزنزانة التي قضيت بها عدة أيام في سجنتي الأولى ولي بها الكثير من الذكريات اقتربت من الجدار ورأيت أن كتاباتي وخرببشاتي المنحوتة عليه لا تزال موجودة بعد ثلاث سنوات، ومنها خواطر نقوش مؤنثة على جدران زنزانة والتي حفرتها بسحاب المعطف بعد أن منعت الأقلام والأوراق عني  وقصيدة شاعرة وراء من وراء الجدران التي كتبتها يوم تلقيت لائحة الاتهام، ومقاطع من قصيدة قاوم أيضًا. ابتسمت كون كتاباتي قد بقيت شاهدة على جدار هذا السجن كما هي، صعدت إلى السرير ذاته الذي نمت عليه قبل ثلاث سنوات استلقيت عليه وأنا أعيد ذاكرتي لكل ما حصل وكأنني أعيش فيلمًا طويلًا أظنه قارب على الانتهاء. لم أنم ولم تغفو عيني ولكنني غرقت في كل الأحداث التي عشتها كل هذه الفترة لم أصحو منها إلا على صوت السجانة وهي تصرخ “عدد” عند الساعة الخامسة صباحًا.

بعد قضاء ليلة في معتقل الجلمة (كيشون) تم نقلي إلى سجن الدامون في دالية الكرمل قضاء حيفا هذا المكان الذي كان يستعمل وقت الانتداب البريطاني كمستودع للدخان أصبح في زمن إسرائيل سجنًا يتسع لنحو الـ 500 سجين، وفي عام 2002 أقرت جمعيات حقوق الإنسان وهيئة من المحامين في إسرائيل أنه مكان لا يصلح حتى لإسكان الحيوانات وأنه غير مناسبًا للإنسان إلا أنه ما زال وحتى اليوم يستعمل كسجن للمعتقلين والسجناء الفلسطينيين الذين تم القبض عليهم بسبب عملهم دون تصاريح  في إسرائيل بالإضافة إلى قسم رقم 61 المعد للأسيرات الفلسطينيات السياسيات.

كنت في هذا القسم مع 22 أسيرة وهو يتسع بالمجمل إلى 26 أسيرة في غرفتين فقط، غرفة رقم 7 وتتسع لثماني أسيرات وغرفة رقم 8 وتتسع للبقية، أي أن الغرفة رقم 7 تتسع ل 18 أسيرة.

ما أن وطأت القسم حتى نظرت من الساحة إلى السماء ليتحول شكلها إلى مربع، تظهر لي من فتحة مشبكة صغيرة، ساحة مغلقة من كل الجوانب وغرفتين تضيق من مرآهما النفس والروح ولا حديث عن الاكتظاظ الكبير بعدد الأسيرات بالنسبة لمساحتيهما الصغيرة.

بدأت مع الوقت أتعرف على الأسيرات وأسمع حكاياتهن وقصصهن، ثمة قصص لم ترق لأفكاري ومبدأ حياتي إلا أنني وضمن واقع السجن كان علي التعايش مع كل الفئات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، ففي السجن لا مجال لوجود أدنى حد من الخصوصية وهو الشيء الذي كان يصعب علي التعامل معه أيضًا. كما أنني عايشت الكثير من أوجاع وآلام الأسيرات.

كثيرة هي المشاهد القاسية التي عشتها بالسجن ولكن أقساها كانت حين رأيت ابنة إحدى الأسيرات تطرق زجاج النافذة بيديها وقت الزيارة،  تبكي وتصرخ، تريد فقط أن تلامس وتحضن أمها الأسيرة إلا أن السجانين وإدارة السجن لم يمنحوها فرصة ملامستها ولو لدقيقة واحدة فما كان على الأم إلا أن ترسل قبلاتها لابنتها وتطبعها على الزجاج لتبدأ هي الأخرى بالبكاء على ابنتها. فالزيارات في السجون الإسرائيلية السياسية تجري فقط من وراء الزجاج العازل للصوت واللمس والحديث يتم من خلال هاتف فقط. كما أن هناك الكثير من الأسيرات لا يملكن حق الزيارة أبدًا منذ اعتقالهن وهذا واقع قاس أيضًا. إن هذه القصص التي عشتها في السجن حرَّكت مشاعري وأعطتني إيحاء للكتابة أكثر رغم أن الأمر مؤلم، فأصبحت أكتب كل ما أعيشه وكل ما أراه حتى تحول كل حدث أعيشه لقصيدة.

دخلت للسجن بسبب قصيدة ولكنني تحررت منه ومعي 101 قصيدة بالإضافة إلى رواية كتبتها في السجن بها تفاصيل كل الاعتقال الذي عشته وبكل مراحله. الشيء الذي شكَّل لي حالة تحدي مختلفة مع نفسي أولًا ومع السلطات الإسرائيلية ثانيًا، لم يتوقف الأمر معي بالكتابة فقط بل تعلمت الرسم في المعتقل وبت أعبر عن نفسي عبر الرسم أيضًا، كما وقمت بتحويل غرفتي إلى ورشة تصوير فوتوغرافي إذ صورت مشروعًا عن الإقامة الجبرية والسجن الذي تعرضت له أيضًا عبر التصوير. هكذا تحولت فترة اعتقالي إلى طاقات إبداع إضافية تؤكد أن لا شيء يمكن أن يمنع شاعرة على بث مشاعرها حتى لو كان جسدها مرهونًا للاعتقال فالأفكار تبقى حرة دومًا.

إن أكثر الأمور سخرية من قبل السلطات الإسرائيلية في قضيتي أنها حاكمتني وسجنتني طوال هذه المدة وادعت أن القصيدة التي كتبتها ونشرتها محرضة وخطر على أمن الدولة وأبقتها موجودة طوال الوقت في الفيس البوك واليوتيوب على مرأى ومسمع الجميع، فأي شيء يمكن أن يكون مضحكًا أكثر حين تعتقل الشاعرة وتحاكم وتدخل السجن وتبقى القصيدة حرة ولا يتم حذفها مثلًا، بما أنها تحرض على العنف والإرهاب وتدعمه حسب ادعاءهم في المحاكم!

بقيت القصيدة وبدأت تتخطى كل الحدود، لتتسع دائرة الدعم لي ولقضيتي أكثر فأكثر، مع الوقت ترجمت لعشرات اللغات، وتحولت قضيتي لمصدر الهام للفن والفنانين بمختلف مجالاتهم سواء بالغناء أو المسرح أو الأفلام أو التصوير أو الشعر  أو الرسم أو الموسيقى. وأبرز هذه الأعمال: مشروع ترجمة إحدى قصائدي التي كتبتها في السجن لأكثر من 15 لغة من دعم منظمة pen iternational، مشروع باسم: poem on trial الذي يتبنى تلحين وغناء القصيدة المتهمة بعدة لغات بدعوة من مجموعة من الفنانين والنشطاء في قضيتي مثل meira asher  و dganit elyakim والمسرحية التي تحمل اسم: أنا، دارين طاطور التي أعدتها الصديقة عينات وايتسمان وتعاونَّا معًا على كتابتها ومن إخراج نيتسان كوهن ويتم عرضها على مسرح تموناع في تل أبيب، وهو الشيء الذي جعل ميري ريجيف وزيرة الثقافة والرياضة تهدد المسرح وتتوعده بوقف الدعم المالي له من قبل الوزارة إن تم عرض المسرحية وكما دعت المستشار القضائي باستدعاء من قاموا بتجهيز هذا العمل إلى جلسة تحقيق بدعوى أن العمل هو ضد القانون  ويدعم ويحرض على الإرهاب دون أن ترى ودون أن تعرف ما موضوع المسرحية وما هي الأشياء التي سيتم عرضها، فكان وجود اسمي بالمسرحية سببًا كافيًا للعمل ضده ومحاولة منع عرضه وتهديد كل القائمين عليه.

مع كل ما عانيته خلال الثلاث سنوات من عنصرية السلطات الإسرائيلية من خلال معركتي الطويلة من أجل حرية التعبير إلا أنها ما زالت مستمرة ولم تتوقف رغم تحرري من السجن وذلك بوجودي لفترة ثلاث سنوات إضافية بالسجن مع وقف التنفيذ المشروط بعدم تكرار نفس الجريمة، وما هي جريمتي في هذه المحاكمة غير أنني كتبت قصيدة!  إلا أن حملة التحريض ضدي وضد أي عمل فني يرتبط بالفن الفلسطيني بات مهددًا بالمنع ويتعرض لرقابة السلطات الإسرائيلية وبالأخص من قبل وزيرة الثقافة والرياضة ميري ريجيف التي تشن حملاتها التحريضية المستمرة ضد الأعمال الفنية التي تحمل هوية فلسطينية أو تحكي عن الشعب الفلسطيني ومعاناتهم من الاحتلال الإسرائيلي على مدار 70 عامًا حيث أنني ومع فريق الدفاع عني في مكتب جابي لاسكي وقضية حرية التعبير عن الرأي ومع كل الداعمين لقضيتي قمنا بطلب الاستئناف على كل هذه المحاكمة وقد تم تعيين جلسة لبحث الاسئناف والبث به في تااريخ 29-11-2018. سأبقى أحارب من أجل حقي بالتعبير عن طريق الشعر بحرية لآخر نفس لأن القضية لم تعد قضية دارين طاطور فقط بل قضية كل شاعر وفنان وإنسان قدم لي دعمه ووقف بجانبي بوفاء طوال هذه الفترة الطويلة ولم يتركني وحيدة.

 وفي النهاية ثمة حقيقة يجب أن تقال إن الاعتقال الذي تعرضت له هو دليل قاطع أنني اعتقلت وحوكمت وسجنت فقط لأني فلسطينية ولأني أحمل في هويتي اسم عربي. وأن إسرائيل لا تمت بأي صلة مع الديمقراطية، وأنها تحكم حكمًا عنصريًا وتمنح الديمقراطية فقط لمن يحمل في هويته القومية اليهودية فقط.

لقراءة المقال في اللغة الإنجليزية في mondoweiss 

 

تدوينات متعلقة