القلب مابين العلم والدين…!

_MG_9016

“قد يجعلنا الشعر من حين لآخر أكثر وعيًا للمشاعر العميقة غير المسماة التي تشكل عماد وجودنا”.

جون وودن

في اللحظة التي كنت أفكر فيها وأغوص في العالم الذي يحيطني، ورد في ذهني كم نحن البشر نناقض أنفسنا ومشاعرنا التي يجب أن تنمو معنا من أجل حياة بعيدة عن الظلم والجشع والكذب والرياء واستغلال الآخر.

بعد أن تلقيت إهانة وتحقير عظيم من المحيطين الذي كنت أكن لهم إخلاصًا ساميًا في التعامل والعمل، إلا أن الصدمة التي تلقيتها  أدت بي في نهاية المطاف إلى إحباط شديد ومكوث مع الوحدة والاعتكاف على القراءة أكثر والتأمل في طبيعة مشاعر الإنسان وأحاسيسه، حينها تساءلت في نفسي… هل حقًا نحن بشرٌ…!

في هذه اللحظة التي كنت أفكر بماهية إحساس الإنسان وقلبه كنت ألعب لعبة اعتدت على ممارستها على الهاتف المعروفة باسم Clash Of Clans،  وقد تعرفت عبرها على عدة أصدقاء من مختلف الثقافات البشرية  في أنحاء الكرة الأرضية وكان منهم الدكتور محمد عبد السلام، فسألته عبر محادثة اللعبة، بالمناسبة دكتور، أليس بوسعك أن تصنع وصفة تشفي بها القلوب الصدئة، ليتغير عالمنا ولو قليلًا؟

أجابني بعد ضحكة طويلة: علاجه مستحيلُ شاعرتنا… وهو فقط علاج رباني…

فأجبته: على ما يبدو أننا نحن الشعراء نملك أحاسيسًا زائدة عن الحاجة…

فقال: إذًا أستطيع أن أقول أن في داخلي شاعر، كوني أملك حساسية مفرطة بتعاملي مع الآخرين ولكنني لست بشاعر…!

أقفلت اللعبة وأخذت أفكر بكلامه وإجابته على سؤالي، وأمسكت قلمي وأوراقي وبدأت بكتابة هذه الخاطرة التي بين أيديكم الآن محاولة مني لدراسة مشاعري أولًا ومن ثم مشاعر الإنسان عامة لأجد الإجابة على أسئلة كثيرة تراودني سببتها لي حساسيتي المفرطة أو الزائدة عن حدها بالتعبير عن ذاتي ومشاعري تجاه الآخرين.

من المفترض وحسب قانون البشرية التي خلقنا الله عليها أن بداخل كل منا إحساس، وهو بالفعل موجود بنا جميعًا، ولكن السؤال  الأكبر ما هو هذا الإحساس وما هي الأفكار التي تحتله…!

ثمة إحساس بالمحبة والكراهية، إحساس بالسلام والحرب، بالإخلاص والخيانة، بالحياة والموت، بالحب والنقمة… أحاسيس كثيرة نعيشها، نفكر بها وتعيش بنا ولكن دومًا نجد لها النقيض.

بهذه الأفكار وصلت إلى عقيدة أن العلم القائم على الإحساس ومهما كان، ثمة نقيض له، إذًا  السؤال الآن كيف يتحول الإحساس الإيجابي إلى إحساس سلبي داخل الإنسان فيحوله إلى كتلة من جمادٍ بلا شعورٍ فيصبح آنذاك قاتلًا، ظالمًا، قاسيًا…

هنا المعضلة الكبرى التي وصلت إليها بأفكاري وأردت أن أفك إحداثياتها الخفية.

لو فكرنا قليلًا بالحياة والموت لوصلنا للنتيجة ذاتها التي وصل إليها أنطون تشيخوف في كتاباته وعلمه والتي لخصها بمقولة: “الموت فظيعٌ لكن الأفظع الإحساس بأن المرء سيعيش للأبد ولن يموت أبدًا”.

أليس التغلب على حزن يتمكن منا بعد فقدان عزيز يأتي فقط بالإيمان بالله والقضاء والقدر وأن الموت حق على كل البشر، فكلما زاد الإيمان في قلب الإنسان زادت مشاعره الإيجابية وحبه للآخرين حوله الذين ما زالوا على قيد الحياة!

ومع تعمقي أكثر بالموضوع تذكرت قول الله في القرآن: كَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (الحديد 23).

قيمة الإنسان الحقيقي ومشاعره تكمن في هذه الآية الكريمة، وقيمة النفس البشرية تكمن في السكون والطمأنينة عند استقبال أي حدثٍ سواء كان سارًا أو ضارًا، فعلى الإنسان أن يكون متزنًا بمشاعره فلا يجزع ويبالغ في حزنه ولا يفرح الفرح الذي يفقده توازنه أيضًا عند الأحداث السارة، كما أن اتساع أفق النظر والتعامل مع الوجود الكبير ليس من مقدور الإنسان ومشاعره إنما هي صفة لا يملكها إلا الله عز وجل.

من هذه الآية أيضًا وصلتُ أن ديننا الإسلامي لا يرضى أن تتحول مشاعر الفرح والبهجة إلى تكبر على الناس وبطر للحق.

أما في مشاعر الحب والكراهية فتذكرت قول الله تعالى في القرآن الكريم:

أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ( الحج - 46)

إن ما استنبطه من هذه الآية الصغيرة أيضًا أن الله في كل كتبه السماوية لا يرضى أن يصبح الحب جسرًا يعبر عليه الخائنين والظالمين وأصحاب الجاه والمال المدراء والرؤساء ليحطموا قلوب الآخرين ويستهزئوا بمشاعرهم وعملهم لدرجة الاحتقار فقط لكونهم يحتلون منصبًا اجتماعيًا أو اقتصاديًا أعلى منهم، حينها يتحول هذا الحب الزائف إلى تسلية أو مطية يمتطيها أصحاب النيات السيئة ليصلوا إلى ما أرادوا. وبما أن القلب يخلق قبل الدماغ عند الجنين ويبدأ بالنبض حتى آخر نفس يتنفسه الإنسان علينا الإدراك بأنه لو فقد الإنسان قلبه فقد حياته كلها وليس فقط جسده.

عند هذه النقطة أردت التوسع أكثر بالمعرفة ورؤية مدى علاقة القلب ومدى ارتباطه بالعلم والدين، فتحت على برنامج البحث في القرآن الكريم وكتبت كلمة قلب فكانت النتيجة أنها وردت في آياته 53 مرة، وأعدت البحث بصيغة الجمع وكتبت قلوب فظهرت النتيجة 104 مرات، وبعد كل هذا عرفت أن الإنسان حين يفقد قلبه يفقد كل المبادئ والمشاعر الإنسانية ومن هنا بدأ عراك الإنسان مع أخيه الإنسان فحين يصدأ القلب تصدأ الأنفس والمشاعر الإنسانية الحقيقية من حياة البشرية وتنتشر اللآفات بين كل المجتمعات وتسيطر عليه دافعية القتل والعدوانية والعنف.

دارين طاطور

03-09-2015 \ 22:39

“قد يجعلنا الشعر من حين لآخر أكثر وعيًا للمشاعر العميقة غير المسماة التي تشكل عماد وجودنا”.

جون وودن

في اللحظة التي كنت أفكر فيها وأغوص في العالم الذي يحيطني، ورد في ذهني كم نحن البشر نناقض أنفسنا ومشاعرنا التي يجب أن تنمو معنا من أجل حياة بعيدة عن الظلم والجشع والكذب والرياء واستغلال الآخر.

بعد أن تلقيت إهانة وتحقير عظيم من المحيطين الذي كنت أكن لهم إخلاصًا ساميًا في التعامل والعمل، إلا أن الصدمة التي تلقيتها  أدت بي في نهاية المطاف إلى إحباط شديد ومكوث مع الوحدة والاعتكاف على القراءة أكثر والتأمل في طبيعة مشاعر الإنسان وأحاسيسه، حينها تساءلت في نفسي… هل حقًا نحن بشرٌ…!

في هذه اللحظة التي كنت أفكر بماهية إحساس الإنسان وقلبه كنت ألعب لعبة اعتدت على ممارستها على الهاتف المعروفة باسم Clash Of Clans،  وقد تعرفت عبرها على عدة أصدقاء من مختلف الثقافات البشرية  في أنحاء الكرة الأرضية وكان منهم الدكتور محمد عبد السلام، فسألته عبر محادثة اللعبة، بالمناسبة دكتور، أليس بوسعك أن تصنع وصفة تشفي بها القلوب الصدئة، ليتغير عالمنا ولو قليلًا؟

أجابني بعد ضحكة طويلة: علاجه مستحيلُ شاعرتنا… وهو فقط علاج رباني…

فأجبته: على ما يبدو أننا نحن الشعراء نملك أحاسيسًا زائدة عن الحاجة…

فقال: إذًا أستطيع أن أقول أن في داخلي شاعر، كوني أملك حساسية مفرطة بتعاملي مع الآخرين ولكنني لست بشاعر…!

أقفلت اللعبة وأخذت أفكر بكلامه وإجابته على سؤالي، وأمسكت قلمي وأوراقي وبدأت بكتابة هذه الخاطرة التي بين أيديكم الآن محاولة مني لدراسة مشاعري أولًا ومن ثم مشاعر الإنسان عامة لأجد الإجابة على أسئلة كثيرة تراودني سببتها لي حساسيتي المفرطة أو الزائدة عن حدها بالتعبير عن ذاتي ومشاعري تجاه الآخرين.

من المفترض وحسب قانون البشرية التي خلقنا الله عليها أن بداخل كل منا إحساس، وهو بالفعل موجود بنا جميعًا، ولكن السؤال  الأكبر ما هو هذا الإحساس وما هي الأفكار التي تحتله…!

ثمة إحساس بالمحبة والكراهية، إحساس بالسلام والحرب، بالإخلاص والخيانة، بالحياة والموت، بالحب والنقمة… أحاسيس كثيرة نعيشها، نفكر بها وتعيش بنا ولكن دومًا نجد لها النقيض.

بهذه الأفكار وصلت إلى عقيدة أن العلم القائم على الإحساس ومهما كان، ثمة نقيض له، إذًا  السؤال الآن كيف يتحول الإحساس الإيجابي إلى إحساس سلبي داخل الإنسان فيحوله إلى كتلة من جمادٍ بلا شعورٍ فيصبح آنذاك قاتلًا، ظالمًا، قاسيًا…

هنا المعضلة الكبرى التي وصلت إليها بأفكاري وأردت أن أفك إحداثياتها الخفية.

لو فكرنا قليلًا بالحياة والموت لوصلنا للنتيجة ذاتها التي وصل إليها أنطون تشيخوف في كتاباته وعلمه والتي لخصها بمقولة: “الموت فظيعٌ لكن الأفظع الإحساس بأن المرء سيعيش للأبد ولن يموت أبدًا”.

أليس التغلب على حزن يتمكن منا بعد فقدان عزيز يأتي فقط بالإيمان بالله والقضاء والقدر وأن الموت حق على كل البشر، فكلما زاد الإيمان في قلب الإنسان زادت مشاعره الإيجابية وحبه للآخرين حوله الذين ما زالوا على قيد الحياة!

ومع تعمقي أكثر بالموضوع تذكرت قول الله في القرآن: كَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (الحديد 23).

قيمة الإنسان الحقيقي ومشاعره تكمن في هذه الآية الكريمة، وقيمة النفس البشرية تكمن في السكون والطمأنينة عند استقبال أي حدثٍ سواء كان سارًا أو ضارًا، فعلى الإنسان أن يكون متزنًا بمشاعره فلا يجزع ويبالغ في حزنه ولا يفرح الفرح الذي يفقده توازنه أيضًا عند الأحداث السارة، كما أن اتساع أفق النظر والتعامل مع الوجود الكبير ليس من مقدور الإنسان ومشاعره إنما هي صفة لا يملكها إلا الله عز وجل.

من هذه الآية أيضًا وصلتُ أن ديننا الإسلامي لا يرضى أن تتحول مشاعر الفرح والبهجة إلى تكبر على الناس وبطر للحق.

أما في مشاعر الحب والكراهية فتذكرت قول الله تعالى في القرآن الكريم:

أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ( الحج - 46)

إن ما استنبطه من هذه الآية الصغيرة أيضًا أن الله في كل كتبه السماوية لا يرضى أن يصبح الحب جسرًا يعبر عليه الخائنين والظالمين وأصحاب الجاه والمال المدراء والرؤساء ليحطموا قلوب الآخرين ويستهزئوا بمشاعرهم وعملهم لدرجة الاحتقار فقط لكونهم يحتلون منصبًا اجتماعيًا أو اقتصاديًا أعلى منهم، حينها يتحول هذا الحب الزائف إلى تسلية أو مطية يمتطيها أصحاب النيات السيئة ليصلوا إلى ما أرادوا. وبما أن القلب يخلق قبل الدماغ عند الجنين ويبدأ بالنبض حتى آخر نفس يتنفسه الإنسان علينا الإدراك بأنه لو فقد الإنسان قلبه فقد حياته كلها وليس فقط جسده.

عند هذه النقطة أردت التوسع أكثر بالمعرفة ورؤية مدى علاقة القلب ومدى ارتباطه بالعلم والدين، فتحت على برنامج البحث في القرآن الكريم وكتبت كلمة قلب فكانت النتيجة أنها وردت في آياته 53 مرة، وأعدت البحث بصيغة الجمع وكتبت قلوب فظهرت النتيجة 104 مرات، وبعد كل هذا عرفت أن الإنسان حين يفقد قلبه يفقد كل المبادئ والمشاعر الإنسانية ومن هنا بدأ عراك الإنسان مع أخيه الإنسان فحين يصدأ القلب تصدأ الأنفس والمشاعر الإنسانية الحقيقية من حياة البشرية وتنتشر اللآفات بين كل المجتمعات وتسيطر عليه دافعية القتل والعدوانية والعنف.

دارين طاطور

03-09-2015 \ 22:39

تدوينات متعلقة