الفرد من أجل الجماعة، الجماعة من أجل الفرد

e2b60c0f7b38085a109be018b407a9c9_Generic

الساعة الحادية عشر مساء أجلس على برشي في زنزانة الاعتقال، الزنزانة تضيق بي أكثر وأكثر، بعد يوم مليء بالوجع من تعب السجن والاعتقال، بدأت أشعر أخيرًا ببعض الهدوء مع نفسي بعد نوم رفيقاتي الأسيرات السبعة معي في هذه الزنزانة الضيقة.

تركت الكتاب الذي أقرأه، وضعت سماعات الراديو الصغير في أذني وبحثت عن إذاعة الشمس لأسمع نشرة الأخبار وأعرف ولو شيئًا قليلًا مما يجري خارج هذا السجن، وخارج هذه الجدران العالية والأبواب الحديدية والأقفال.

انقبض قلبي ودمعت عيوني مع سماعي خبرًا عاجلًا يذاع عبر النشرة عن بلدتي “الرينة” بنقل شاب إلى المستشفى بحالة حرجة بعد تعرضه لعدة طعنات جراء عراك في البلدة بسبب مشادات كلامية مع أحد السائقين.

حاولت أن أعرف بعض المعلومات من قبل السجانين إلا أنهم أبوا أن يعطوني أي تفصيل أو خبر يهدئ قليلِا من قلقي.

ما عدت قادرة على احتمال الموقف، فاضت عيوني بالدموع، قضيت ليلتي وأنا أصلي أن ينجو هذا الشاب وأنا لا أعلم هويته أصلًا، بت أتخيله أحد إخوتي، أحد أقاربي، أحد أصدقائي ومعارفي في البلدة. كنت أصلي أن لا تضاف جريمة أخرى بعد أسبوع دامٍ في أنحاء الوطن وأن لا تكون هذه هي الجريمة الرابعة بأقل من أسبوع فقدنا به ريما أبو خيط وخطيبها محمود حجاج من الطيرة ورداد فيصل من جسر الزرقاء.

بعد سماع الخبر وتفاصيله المختصرة، عدت للوراء قليلًا وتذكرت اليوم الثاني لي هنا في هذا السجن حين جلست مع رفيقاتي الأسيرات بجلسة تعارف مع بعضنا البعض، سألتني إحدى الأسرات عن قرية الرينة، فكانت أول عبارة لي، ما يميز الرينة وأكثر ما أحبه بها هو عدم وجود مظاهر العنف فيها والمتفشي في قرانا ومدننا الفلسطينية بالداخل.

حاولت أن أغفو، أن أغمض عيني ولكن النوم أبى أن يزورني بقيت مستيقظة حتى الصباح ولم يغمض لي جفن. ما أن حل الصباح ومع أول نشرة أخبار لإذاعة الشمس عند الساعة السابعة والنصف صباحًا، صعقت بإعلان وفاة الشاب المصاب. عندها فقط عرفت هويته، يوناتان نويصري، شاب في العشرينات من عمره، طالب جامعي ووحيد لأهله.

لم أعد أعلم ماذا أقول لنفسي وكيف أخاطبها، بماذا أواسيها! أنا هنا في السجن لا حول لي ولا قوة والحزن والألم والدموع لا يشفعان لوجعي كوني البعيدة والمنفية والمعتقلة والسجينة ولست قادرة أن أشاطر أبناء بلدي بهذا المصاب القاسي.

صدقًا خفت كثيرًا على كل البلدة بعد هذا الحادث الأليم بأن يكون سببًا للمزيد من أعمال العنف. تمنيت أن يتدخل المثقفين وأصحاب المواقف لمنع المأساة القادمة رغم أن المأساة قد حصلت.

لا يمكن وصف مشاعري التي أعيشها وأنا أفكر بأهل يوناتان وأهالي كل الضحايا الثلاثة ومشاعرهم، تمنيت أن يتم القبض على الجناة وعلى كل من شارك بعملية القتل هذه وأن ينالوا أقصى العقوبة على حرمان الأهل والأحباء من وجوده بينهم وقتله بهذه القسوة والبشاعة.

تمنيت أن لا تكون أي صلة بين القاتل وبين عائلتي ورفاقي وأصدقائي، رغم أني كنت متأكدة من ذلك إلا أن كوني بالسجن بلا معلومات وبلا أخبار مفصلة ومع شح المعلومات كل الأفكار  والاحتمالات بدأت تحتل فكري وتسيطر على نفسي حتى لو كانت بعيدة عن الواقع. أصبح كل شيء محتمل بالنسبة لي.

من اللحظة التي سمعت بها عن أخبار جرائم العنف في مجتمعنا العربي وأنا أعيش حالة استنفار داخلي وصراع لا يهدأ، محاولة أن أجد حلًا أو أن أساهم في إيجاد الحلول للحد من هذه الآفة أو على الأقل التقليل منها قدر الإمكان. بالتأكيد يوجد حل ولكن هذا الحل لا يأتي إلا بتعاون مشترك بين كل فئات المجتمع العربي وكل مركباته الفنية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاعلامية والقيادية.

نعم هناك تقصير من قبل السلطات الإسرائيلية بل غياب تام عن المشهد من قبلها بشأن جرائم العنف في مجتمعنا العربي، ولكن علينا أن نواجه الواقع كما هو ونقول ونعترف أن المسؤولية الأكبر  تقع علينا نحن، ويترتب علينا أن نبدأ  بأنفسنا قبل أن نطلب من الشرطة البدء بالقيام بمهامها ونحن نعلم كل العلم السياسة المتبعة ضدنا كعرب وفلسطينيين. المطالبة أن تنصفنا المؤسسة الإسرائيلية هو شيء من التهرب من الواقع ونحن نعلم أنه لم ولن يحصل، فالمؤسسة الإسرائيلية بالتالي وحسب الواقع هي سياسة احتلال ولا أتوقع منها أن تفعل شيئًا من أجل تقليل العنف بل على العكس تساهم في زيادته لأن ذلك ينصب في مصلحة الاحتلال أولًا وآخرًا.

أريد الوقوف هنا عند هذه القضية للحظة والخروج كليًا منها فالحديث عن دور الشرطة هو حديث فارغ وعقيم في هذه المرحلة لأنني لن أجني منه أي شيء، فالشرطة هذه والمؤسسة كلها التي وضعتني في السجن بسبب قصيدة كتبتها لن أتأمل منها أن تنصفني أن تنصف شعبي أو أن تعمل من أجل حمايتي!

صحيح أن الكل يضع اللوم على الشرطة، أما أنا وبكل صدق وللأمانة أضع الشرطة جانبًا وأضع اللوم الأكبر على أنفسنا وعلى مؤسساتنا التي نديرها بأنفسنا، أهمها البيت والعائلة ومن ثم المدرسة.

البيت والعائلة هما المفتاح لكل شيء، منهما بدأت أفكر بالحلول التي يمكن أن أخرج بهما، ومن خلال كتابتي هذه أستطيع أن أعرض بعض الأمور التي فكرت فيها هنا وأنا بالسجن، ربما تأتي بنتيجة إن سعينا كلنا من أجل تنفيذها ربما نبدأ بالعمل من أجل معالجة هذه الآفة!

هذا الشاب القاتل الذي أقدم على طعن يوناتان بالتأكيد خرج من بيته ومعه هذا السكين! والسؤال الذي يجب أن نسأله هنا، هل هذه هي المرة الأولى التي يستعمل بها العنف ضد الآخرين! عن نفسي أشك بذلك أظن بل أنا شبه متأكدة أن من أقدم على حمل السكين والقتل بهذه البشاعة التي سمعتها قد اعتاد استعمال العنف في البيت وخارجه وأيضًا أمام والديه وعائلته، وإن كان قد مارس العنف بطرق أخرى غير السكين! فالعنف هو عنف حتى لو كان عنفًا كلاميًا، أو عنفًا بالصفع.

البيت والعائلة هما الشرطة وهما المحكمة وهما الرادع والحل، من هنا يبدأ دور الأهل والوالدين المؤسسة الأولى القادرة على منع العنف، الأب أو الأم، الإخوة اللذين يرون أن ابنهما عنيف بأي طريقة كانت عليهما البدء بعلاجه، إن لم يستطيعا السيطرة على أفعاله فعليهما التوجه فورًا إلى المؤسسات الاجتماعية والإبلاغ عن هذا العنف. معالجة مظاهر  العنف الصغيرة مع هذا الابن كفيلة أن توقف تطوره واستمراره، الوالدين الذين يعلمون أن بحوزة أحد أبناءهم سلاحًا أيا كان نوعه يجب عليهما أن يبلغوا عنه بأنفسهم للجهات المختصة وأن لا يتستروا عليه وإن كان بإمكانهم أن يأخذوا منه هذا السلاح فهو انجاز أيضًا طبعا مع كلام التوعية بهدوء وبدون عنف، لكن هذا لا يكفي ربما يذهب الابن ويشتري قطعة سلاح جديدة ولا يعلم عنها الأهل شيئًا ومن هنا علينا العمل كجماعة بالتشاور والنقاش كيف يمكن أن نمنع الجريمة القادمة، كيف يمكن أن نمنع أولادنا من اقتناء السلاح في بيوتنا ونساهم في التقليل من آفة العنف بقدر استطاعتنا! هنا أنا أتكلم عن أب وأم لا يمارسان العنف مع أولادهم أيضًا، لأن الأهل الذين يستعملون العنف لا يستطيعون منع العنف بل يجب التدخل الخارجي فورًا وهنا يأتي دور الالمؤسسة الأخرى وهي مركبات المجتمع، مهمتنا نحن كمثقفين، فنانين، مربين، أطباء، معلمين،  بما أن العنف بات ظاهرة وللأسف، علينا أن نقوم المساهمة بايجاد الحلول أولًا للأهل  وعدم انتظارهم أن يتوجهوا للمؤسسات الاجتماعية بل فكرت أن نصبح نحن بحد ذاتنا مؤسسة اجتماعية متحركة وذلك عن طريق إقامة هيئة مؤلفة ويتحول كل منا بوظيفته للعمل من أجل الجماعة ونوجد أيضًا عاملين وعاملات اجتماع ومستشارين متطوعين في كل بلدة عربية ومن خلالها ننظم زيارات إلى البيوت ونحاول حصر البيوت التي تعاني من وجود العنف داخلها من قبل أحد أفرادها ومنها عمل خطة علاجية لهذا الشخص وإبلاغ الهيئات المختصة وإن لم تساعدنا هذه الهيئات الرسمية بذلك علينا إذًا أن نباشر بإنشاء هيئة خاصة بنا تهتم بأحوالنا عن طريق التوجه إلى مجتمعنا وأفراده.

مجتمعنا مليء بالخيرات والقدرات والطاقات والخبرات، نحن لا ينقصنا شيء إلا البدء بالتخطيط والمبادرة التضحية والتنفيذ وبمساعدة كل الفئات دون أن ألغي أي جهة. فلكل دائرة يوجد دور للحد من آفة العنف والمضي في تقدم مجتمعنا ورقيه وتطوره.

الشباب، المثقفون، الفنانون، الأطباء، الكتاب، الشعراء، طلاب الجامعات، الأكادميون، العاملون، لجنة المتابعة، أعضاء الكنيست، رجال الأعمال…. كلنا يجب أن نعمل معًا.

بالطبع البداية ستكون صعبة وربما صعبة جدًا ولكنها ليست مستحيلة، مع الوقت إن ثابرنا وعملنا بجد لا بد أن نصل لنتيجة، وإن استطعنا علاج حالة عنف واحدة نكون قد منعنا جريمة قتل ربما تكون قريبة. سيكون عملنا جماعي، سنصل للمدارس ونتعاون مع المستشارين فيها والمعلمين من أجل الوصول إلى كل طالب أو طالبة يعتبرون كطلاب عنيفين، نبدأ معهم ومع العائلة نحاول تغيير الطباع والأفكار والتوجهات.

أن ننخرط أكثر في المجتمع ومركباته وأفراده هو بداية الحل في ظل غياب الحلول الأخرى من الجهات الرسمية والحكومية. تضحية الفرد من أجل الجماعة والجماعة من أجل الفرد هو مبدأ هذه المبادرة فقط عندها نستطيع أن نصنع التغيير.

هذه المبادرة لن تنجح إلا بمساهمة نسبة كبيرة من مجتمعنا العربي وأركز هنا على كل الفئات فيه دون تفرقة، العاملة والمتعلمة والقيادة، كل واحد فينا يجب أن يتحمل المسؤولية ويأخذ دورًا على عاتقه ويبدأ بتنفيذه، هذه المبادرة لن تنجح إلا بمساهمة أكبر نسبة من مجتمعنا الذي يتذمر عبر شبكات التواصل من العنف.

من أجل البداية نحتاج مكان نجتمع فيه، ليكون اجتماعًا تأسيسيًا لننطلق بالمبادرة ونبدأ بالتخطيط من أجل المضي قدمًا بإنشاء مؤسسات اجتماعية تخدمنا وتخدم متطلباتنا واحتياجاتنا.

أتمنى في النهاية أن يتم النظر للمبادرة بأهمية والاجتماع بأسرع وقت ممكن كاجتماع مصغر لمن يريد أن يكون من المبادرين معي، اجتماع مصغرًا من أجل إضافة كل الاقتراحات أو المشاريع التي يمكن أن تساهم بمنع الجريمة القادمة. ومن ثم نقيم اجتماعًا موسعًا يضم الكثيرين من كل الفئات.

أركز هنا على أهمية إقامة المشاريع الفنية في البلدات العربية وتنشئة الأجيال على الفن وممارسة المواهب سواء بالعزف أو الرسم أو الكتابة، التمثيل الغناء، التصوير… الفن هو  طريقة ناجعة لإسكات صوت العنف وللأمانة بيوتنا ينقصها الكثير من الفن وعلينا تذويت الثقافة الفنية داخل جدرانها. وظيفتنا أن نتوجه للأهل الذين يرون ويعتبرون أن الفن حرام وعيب… المساهمة بتذويت لغة الفن في البيوت.

بعد الاجتماع المصغر نبدأ بالتحضير للاجتماع الموسع والكبير والذي سيشمل جميع مركبات المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل وأتمنى التواصل معي من أجل الاجتماع اجتماعًا سريعًا واضطراريًا ونبدأ بالعمل. الأماكن سنجدها حتمًا، لا يهم المكان حتى لو اضطررنا أن نجتمع تحت شجرة أو في شارع أو في بيت من بيوتنا أو في قاعة. وهي دعوة عامة لكل من يرى بنفسه قدرة على المبادرة والتخطيط والتضحية والعمل.

هذه الدعوة موجهة إلى:

-          اللطلاب من كل الجامعات في البلاد والأكادميين.

-          الفنانين والشعراء والكتاب والمثقفين من كل بلداتنا العربية.

-          رئيس لجنة المتابعة السيد محمد بركة وجميع أعضاء ومركبات اللجنة.

-          القائمة المشتركة بكل أعضاءها الـ 13.

-          خريجي وخريجات المجتمع العربي والنشطاء والناشطات الاجتماعيين والسياسيين.

-          خريجي وخريجات علم الاجتماع وعلم النفس.

-          الإعلاميين وأخص بالذكر هنا هيئة وعائلة إذاعة الشمس كونها تلعب دورًا اعلاميًا كبيرًا في مجتمعنا العربي بل الأهم فيه.

-          استثمار طاقات المتعلمات والمتعلمين والمتقاعدات والمتقاعدين في مجتمعنا العربي ومن كل التخصصات والمواضيع، من المهم جدًا وجود المعلمات والمعلمين والمربين والمربيات للاستفادة من خبرتهم.

-          مدراء ومعلمي المدارس الحاليين ومن المهم جدًا وجود أكبر نسبة من المدراء والمعلمين من مدارسنا. لأن المدرسة بعد العائلة هي المؤسسة التي تشمل أكبر نسبة من أطفالنا وأبنائنا.

-          رجال الأعمال في مجتمعنا بمختلف المجالات.

-          رجال الدين من كل الديانات والطوائف الإسلامية والمسيحية والدرزية.

-          الجمعيات النسائية والأطر النسوية.

-          أطباء ولجان طبية من كل التخصصات وبالأخص أطباء علم النفس.

أتمنى أن أجد أذنًا صاغية لهذه المبادرة وهذا المخطط. وأحب اللفت هنا أن ترتيب الفئات المذكورة عشوائي وعفوي وليس مندرجًا حسب الأهمية، لأنني أرى بكل فئة أهمية ودور لا يقل عن الفئة الأخرى. وإن نسيت فئة أرجو إعلامي بها لإضافتها للقائمة.

الساعة الحادية عشر مساء أجلس على برشي في زنزانة الاعتقال، الزنزانة تضيق بي أكثر وأكثر، بعد يوم مليء بالوجع من تعب السجن والاعتقال، بدأت أشعر أخيرًا ببعض الهدوء مع نفسي بعد نوم رفيقاتي الأسيرات السبعة معي في هذه الزنزانة الضيقة.

تركت الكتاب الذي أقرأه، وضعت سماعات الراديو الصغير في أذني وبحثت عن إذاعة الشمس لأسمع نشرة الأخبار وأعرف ولو شيئًا قليلًا مما يجري خارج هذا السجن، وخارج هذه الجدران العالية والأبواب الحديدية والأقفال.

انقبض قلبي ودمعت عيوني مع سماعي خبرًا عاجلًا يذاع عبر النشرة عن بلدتي “الرينة” بنقل شاب إلى المستشفى بحالة حرجة بعد تعرضه لعدة طعنات جراء عراك في البلدة بسبب مشادات كلامية مع أحد السائقين.

حاولت أن أعرف بعض المعلومات من قبل السجانين إلا أنهم أبوا أن يعطوني أي تفصيل أو خبر يهدئ قليلِا من قلقي.

ما عدت قادرة على احتمال الموقف، فاضت عيوني بالدموع، قضيت ليلتي وأنا أصلي أن ينجو هذا الشاب وأنا لا أعلم هويته أصلًا، بت أتخيله أحد إخوتي، أحد أقاربي، أحد أصدقائي ومعارفي في البلدة. كنت أصلي أن لا تضاف جريمة أخرى بعد أسبوع دامٍ في أنحاء الوطن وأن لا تكون هذه هي الجريمة الرابعة بأقل من أسبوع فقدنا به ريما أبو خيط وخطيبها محمود حجاج من الطيرة ورداد فيصل من جسر الزرقاء.

بعد سماع الخبر وتفاصيله المختصرة، عدت للوراء قليلًا وتذكرت اليوم الثاني لي هنا في هذا السجن حين جلست مع رفيقاتي الأسيرات بجلسة تعارف مع بعضنا البعض، سألتني إحدى الأسرات عن قرية الرينة، فكانت أول عبارة لي، ما يميز الرينة وأكثر ما أحبه بها هو عدم وجود مظاهر العنف فيها والمتفشي في قرانا ومدننا الفلسطينية بالداخل.

حاولت أن أغفو، أن أغمض عيني ولكن النوم أبى أن يزورني بقيت مستيقظة حتى الصباح ولم يغمض لي جفن. ما أن حل الصباح ومع أول نشرة أخبار لإذاعة الشمس عند الساعة السابعة والنصف صباحًا، صعقت بإعلان وفاة الشاب المصاب. عندها فقط عرفت هويته، يوناتان نويصري، شاب في العشرينات من عمره، طالب جامعي ووحيد لأهله.

لم أعد أعلم ماذا أقول لنفسي وكيف أخاطبها، بماذا أواسيها! أنا هنا في السجن لا حول لي ولا قوة والحزن والألم والدموع لا يشفعان لوجعي كوني البعيدة والمنفية والمعتقلة والسجينة ولست قادرة أن أشاطر أبناء بلدي بهذا المصاب القاسي.

صدقًا خفت كثيرًا على كل البلدة بعد هذا الحادث الأليم بأن يكون سببًا للمزيد من أعمال العنف. تمنيت أن يتدخل المثقفين وأصحاب المواقف لمنع المأساة القادمة رغم أن المأساة قد حصلت.

لا يمكن وصف مشاعري التي أعيشها وأنا أفكر بأهل يوناتان وأهالي كل الضحايا الثلاثة ومشاعرهم، تمنيت أن يتم القبض على الجناة وعلى كل من شارك بعملية القتل هذه وأن ينالوا أقصى العقوبة على حرمان الأهل والأحباء من وجوده بينهم وقتله بهذه القسوة والبشاعة.

تمنيت أن لا تكون أي صلة بين القاتل وبين عائلتي ورفاقي وأصدقائي، رغم أني كنت متأكدة من ذلك إلا أن كوني بالسجن بلا معلومات وبلا أخبار مفصلة ومع شح المعلومات كل الأفكار  والاحتمالات بدأت تحتل فكري وتسيطر على نفسي حتى لو كانت بعيدة عن الواقع. أصبح كل شيء محتمل بالنسبة لي.

من اللحظة التي سمعت بها عن أخبار جرائم العنف في مجتمعنا العربي وأنا أعيش حالة استنفار داخلي وصراع لا يهدأ، محاولة أن أجد حلًا أو أن أساهم في إيجاد الحلول للحد من هذه الآفة أو على الأقل التقليل منها قدر الإمكان. بالتأكيد يوجد حل ولكن هذا الحل لا يأتي إلا بتعاون مشترك بين كل فئات المجتمع العربي وكل مركباته الفنية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاعلامية والقيادية.

نعم هناك تقصير من قبل السلطات الإسرائيلية بل غياب تام عن المشهد من قبلها بشأن جرائم العنف في مجتمعنا العربي، ولكن علينا أن نواجه الواقع كما هو ونقول ونعترف أن المسؤولية الأكبر  تقع علينا نحن، ويترتب علينا أن نبدأ  بأنفسنا قبل أن نطلب من الشرطة البدء بالقيام بمهامها ونحن نعلم كل العلم السياسة المتبعة ضدنا كعرب وفلسطينيين. المطالبة أن تنصفنا المؤسسة الإسرائيلية هو شيء من التهرب من الواقع ونحن نعلم أنه لم ولن يحصل، فالمؤسسة الإسرائيلية بالتالي وحسب الواقع هي سياسة احتلال ولا أتوقع منها أن تفعل شيئًا من أجل تقليل العنف بل على العكس تساهم في زيادته لأن ذلك ينصب في مصلحة الاحتلال أولًا وآخرًا.

أريد الوقوف هنا عند هذه القضية للحظة والخروج كليًا منها فالحديث عن دور الشرطة هو حديث فارغ وعقيم في هذه المرحلة لأنني لن أجني منه أي شيء، فالشرطة هذه والمؤسسة كلها التي وضعتني في السجن بسبب قصيدة كتبتها لن أتأمل منها أن تنصفني أن تنصف شعبي أو أن تعمل من أجل حمايتي!

صحيح أن الكل يضع اللوم على الشرطة، أما أنا وبكل صدق وللأمانة أضع الشرطة جانبًا وأضع اللوم الأكبر على أنفسنا وعلى مؤسساتنا التي نديرها بأنفسنا، أهمها البيت والعائلة ومن ثم المدرسة.

البيت والعائلة هما المفتاح لكل شيء، منهما بدأت أفكر بالحلول التي يمكن أن أخرج بهما، ومن خلال كتابتي هذه أستطيع أن أعرض بعض الأمور التي فكرت فيها هنا وأنا بالسجن، ربما تأتي بنتيجة إن سعينا كلنا من أجل تنفيذها ربما نبدأ بالعمل من أجل معالجة هذه الآفة!

هذا الشاب القاتل الذي أقدم على طعن يوناتان بالتأكيد خرج من بيته ومعه هذا السكين! والسؤال الذي يجب أن نسأله هنا، هل هذه هي المرة الأولى التي يستعمل بها العنف ضد الآخرين! عن نفسي أشك بذلك أظن بل أنا شبه متأكدة أن من أقدم على حمل السكين والقتل بهذه البشاعة التي سمعتها قد اعتاد استعمال العنف في البيت وخارجه وأيضًا أمام والديه وعائلته، وإن كان قد مارس العنف بطرق أخرى غير السكين! فالعنف هو عنف حتى لو كان عنفًا كلاميًا، أو عنفًا بالصفع.

البيت والعائلة هما الشرطة وهما المحكمة وهما الرادع والحل، من هنا يبدأ دور الأهل والوالدين المؤسسة الأولى القادرة على منع العنف، الأب أو الأم، الإخوة اللذين يرون أن ابنهما عنيف بأي طريقة كانت عليهما البدء بعلاجه، إن لم يستطيعا السيطرة على أفعاله فعليهما التوجه فورًا إلى المؤسسات الاجتماعية والإبلاغ عن هذا العنف. معالجة مظاهر  العنف الصغيرة مع هذا الابن كفيلة أن توقف تطوره واستمراره، الوالدين الذين يعلمون أن بحوزة أحد أبناءهم سلاحًا أيا كان نوعه يجب عليهما أن يبلغوا عنه بأنفسهم للجهات المختصة وأن لا يتستروا عليه وإن كان بإمكانهم أن يأخذوا منه هذا السلاح فهو انجاز أيضًا طبعا مع كلام التوعية بهدوء وبدون عنف، لكن هذا لا يكفي ربما يذهب الابن ويشتري قطعة سلاح جديدة ولا يعلم عنها الأهل شيئًا ومن هنا علينا العمل كجماعة بالتشاور والنقاش كيف يمكن أن نمنع الجريمة القادمة، كيف يمكن أن نمنع أولادنا من اقتناء السلاح في بيوتنا ونساهم في التقليل من آفة العنف بقدر استطاعتنا! هنا أنا أتكلم عن أب وأم لا يمارسان العنف مع أولادهم أيضًا، لأن الأهل الذين يستعملون العنف لا يستطيعون منع العنف بل يجب التدخل الخارجي فورًا وهنا يأتي دور الالمؤسسة الأخرى وهي مركبات المجتمع، مهمتنا نحن كمثقفين، فنانين، مربين، أطباء، معلمين،  بما أن العنف بات ظاهرة وللأسف، علينا أن نقوم المساهمة بايجاد الحلول أولًا للأهل  وعدم انتظارهم أن يتوجهوا للمؤسسات الاجتماعية بل فكرت أن نصبح نحن بحد ذاتنا مؤسسة اجتماعية متحركة وذلك عن طريق إقامة هيئة مؤلفة ويتحول كل منا بوظيفته للعمل من أجل الجماعة ونوجد أيضًا عاملين وعاملات اجتماع ومستشارين متطوعين في كل بلدة عربية ومن خلالها ننظم زيارات إلى البيوت ونحاول حصر البيوت التي تعاني من وجود العنف داخلها من قبل أحد أفرادها ومنها عمل خطة علاجية لهذا الشخص وإبلاغ الهيئات المختصة وإن لم تساعدنا هذه الهيئات الرسمية بذلك علينا إذًا أن نباشر بإنشاء هيئة خاصة بنا تهتم بأحوالنا عن طريق التوجه إلى مجتمعنا وأفراده.

مجتمعنا مليء بالخيرات والقدرات والطاقات والخبرات، نحن لا ينقصنا شيء إلا البدء بالتخطيط والمبادرة التضحية والتنفيذ وبمساعدة كل الفئات دون أن ألغي أي جهة. فلكل دائرة يوجد دور للحد من آفة العنف والمضي في تقدم مجتمعنا ورقيه وتطوره.

الشباب، المثقفون، الفنانون، الأطباء، الكتاب، الشعراء، طلاب الجامعات، الأكادميون، العاملون، لجنة المتابعة، أعضاء الكنيست، رجال الأعمال…. كلنا يجب أن نعمل معًا.

بالطبع البداية ستكون صعبة وربما صعبة جدًا ولكنها ليست مستحيلة، مع الوقت إن ثابرنا وعملنا بجد لا بد أن نصل لنتيجة، وإن استطعنا علاج حالة عنف واحدة نكون قد منعنا جريمة قتل ربما تكون قريبة. سيكون عملنا جماعي، سنصل للمدارس ونتعاون مع المستشارين فيها والمعلمين من أجل الوصول إلى كل طالب أو طالبة يعتبرون كطلاب عنيفين، نبدأ معهم ومع العائلة نحاول تغيير الطباع والأفكار والتوجهات.

أن ننخرط أكثر في المجتمع ومركباته وأفراده هو بداية الحل في ظل غياب الحلول الأخرى من الجهات الرسمية والحكومية. تضحية الفرد من أجل الجماعة والجماعة من أجل الفرد هو مبدأ هذه المبادرة فقط عندها نستطيع أن نصنع التغيير.

هذه المبادرة لن تنجح إلا بمساهمة نسبة كبيرة من مجتمعنا العربي وأركز هنا على كل الفئات فيه دون تفرقة، العاملة والمتعلمة والقيادة، كل واحد فينا يجب أن يتحمل المسؤولية ويأخذ دورًا على عاتقه ويبدأ بتنفيذه، هذه المبادرة لن تنجح إلا بمساهمة أكبر نسبة من مجتمعنا الذي يتذمر عبر شبكات التواصل من العنف.

من أجل البداية نحتاج مكان نجتمع فيه، ليكون اجتماعًا تأسيسيًا لننطلق بالمبادرة ونبدأ بالتخطيط من أجل المضي قدمًا بإنشاء مؤسسات اجتماعية تخدمنا وتخدم متطلباتنا واحتياجاتنا.

أتمنى في النهاية أن يتم النظر للمبادرة بأهمية والاجتماع بأسرع وقت ممكن كاجتماع مصغر لمن يريد أن يكون من المبادرين معي، اجتماع مصغرًا من أجل إضافة كل الاقتراحات أو المشاريع التي يمكن أن تساهم بمنع الجريمة القادمة. ومن ثم نقيم اجتماعًا موسعًا يضم الكثيرين من كل الفئات.

أركز هنا على أهمية إقامة المشاريع الفنية في البلدات العربية وتنشئة الأجيال على الفن وممارسة المواهب سواء بالعزف أو الرسم أو الكتابة، التمثيل الغناء، التصوير… الفن هو  طريقة ناجعة لإسكات صوت العنف وللأمانة بيوتنا ينقصها الكثير من الفن وعلينا تذويت الثقافة الفنية داخل جدرانها. وظيفتنا أن نتوجه للأهل الذين يرون ويعتبرون أن الفن حرام وعيب… المساهمة بتذويت لغة الفن في البيوت.

بعد الاجتماع المصغر نبدأ بالتحضير للاجتماع الموسع والكبير والذي سيشمل جميع مركبات المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل وأتمنى التواصل معي من أجل الاجتماع اجتماعًا سريعًا واضطراريًا ونبدأ بالعمل. الأماكن سنجدها حتمًا، لا يهم المكان حتى لو اضطررنا أن نجتمع تحت شجرة أو في شارع أو في بيت من بيوتنا أو في قاعة. وهي دعوة عامة لكل من يرى بنفسه قدرة على المبادرة والتخطيط والتضحية والعمل.

هذه الدعوة موجهة إلى:

-          اللطلاب من كل الجامعات في البلاد والأكادميين.

-          الفنانين والشعراء والكتاب والمثقفين من كل بلداتنا العربية.

-          رئيس لجنة المتابعة السيد محمد بركة وجميع أعضاء ومركبات اللجنة.

-          القائمة المشتركة بكل أعضاءها الـ 13.

-          خريجي وخريجات المجتمع العربي والنشطاء والناشطات الاجتماعيين والسياسيين.

-          خريجي وخريجات علم الاجتماع وعلم النفس.

-          الإعلاميين وأخص بالذكر هنا هيئة وعائلة إذاعة الشمس كونها تلعب دورًا اعلاميًا كبيرًا في مجتمعنا العربي بل الأهم فيه.

-          استثمار طاقات المتعلمات والمتعلمين والمتقاعدات والمتقاعدين في مجتمعنا العربي ومن كل التخصصات والمواضيع، من المهم جدًا وجود المعلمات والمعلمين والمربين والمربيات للاستفادة من خبرتهم.

-          مدراء ومعلمي المدارس الحاليين ومن المهم جدًا وجود أكبر نسبة من المدراء والمعلمين من مدارسنا. لأن المدرسة بعد العائلة هي المؤسسة التي تشمل أكبر نسبة من أطفالنا وأبنائنا.

-          رجال الأعمال في مجتمعنا بمختلف المجالات.

-          رجال الدين من كل الديانات والطوائف الإسلامية والمسيحية والدرزية.

-          الجمعيات النسائية والأطر النسوية.

-          أطباء ولجان طبية من كل التخصصات وبالأخص أطباء علم النفس.

أتمنى أن أجد أذنًا صاغية لهذه المبادرة وهذا المخطط. وأحب اللفت هنا أن ترتيب الفئات المذكورة عشوائي وعفوي وليس مندرجًا حسب الأهمية، لأنني أرى بكل فئة أهمية ودور لا يقل عن الفئة الأخرى. وإن نسيت فئة أرجو إعلامي بها لإضافتها للقائمة.

تدوينات متعلقة